مدينة التجار التي أبت الانصياع
لم تكن نوفغورود مدينة كسائر مدن روسيا القديمة، فبينما اتكأت الإمارات الجنوبية على خيرات أراضيها الزراعية الخصبة، شيّدت نوفغورود ثروتها ومكانتها على طرق التجارة الدولية التي كانت تخترق أراضيها، ما منحها شخصية مستقلة وروحا متمردة، وشعبا يعرف قيمة حقوقه، وهو ما جعل طبيعة مجتمعها أقرب إلى العلاقات التجارية والنقدية منها إلى الإقطاع الريفي التقليدي.
وقد حكم نوفغورود في فجر تاريخها أعاظم الأمراء الروس، من روريك مؤسس الدولة، إلى فلاديمير الكبير وياروسلاف الحكيم، قبل أن يرتقوا لاحقا إلى عرش كييف. وقد أرسى ياروسلاف الحكيم الخصوصية القانونية لنوفغورود حين منح أبناءها امتيازات استثنائية وثّقها في وثيقتَي “برافدا” و”الميثاق”، فأضفى على مكانتهم شرعية رسمية لم تحظَ بها مدينة أخرى. وعلى الرغم من خضوع المدينة اسميا لسلطة أمير كييف الكبير الذي كان يعيّن أمراءها، فإن صلاحيات هؤلاء الأمراء ظلّت مقيّدة بشكل لافت مقارنة بنظرائهم في سائر الإمارات، إذ لم يكن بمقدورهم حتى جباية الضرائب مباشرة من السكان.
أمير بنى الكنائس وخسر المعارك
تولّى فسيفولود مستيسلافيتش حكم نوفغورود خلفا لأبيه مستيسلاف الكبير عام 1117، وكان في بادئ الأمر يُبدي علامات الحاكم الجيد؛ نشيط في حملاته العسكرية، مهتم بالشأن الثقافي والروحي، ويُعتقد أنه خلال فترة حكمه وُضعت الأسس الأولى لسجلات نوفغورود الملكية، فضلا عن بنائه كنيستين أضافتا إلى المدينة طابعها الديني المميز.
بيد أن العلاقة بين الأمير ومدينته بدأت تتصدّع حين حاول عمّه الأمير الأكبر ياروبولك، فور توليه عرش كييف عام 1132، نقل ابن أخيه إلى إمارة بيريسلافل الأكثر أهمية. وحين أُفشل المخطط تحت ضغط الأمير يوري دولغوروكي، اضطرّ فسيفولود إلى العودة إلى نوفغورود وقد خذل سكانها، فاستقبلوه بفتور واضح. فقد رأى النوفغوروديون في تصرفه خيانة صريحة؛ إذ استخدم أميرهم جيشهم ورقةَ مساومة في لعبة السياسة بين الأمراء، بدلا من أن يكون درعا يحمي مصالحهم.
في تلك الأثناء، كانت العلاقات بين نوفغورود وجارتها سوزدال تزداد توترا يوما بعد يوم؛ إذ كان شعب سوزدال يبيع الحبوب لنوفغورود بأسعار مجحفة، ويفرض على تجارها رسوما جمركية باهظة. فالتقت مصالح الأمير والتجار والشعب العادي حول ضرورة مواجهة هذا الاستغلال، وانطلق جيش كبير بقيادة فسيفولود نحو أراضي سوزدال.

معركة جدانا غورا.. الهزيمة التي لا تُغتفر
في 26 يناير 1135، كانت معركة جدانا غورا الشرارة التي أشعلت فتيل الغضب الشعبي. واجه جيش نوفغورود قوات سوزدال بقيادة يوري دولغوروكي، فعاد مهزوما بعد أن مُني بخسائر فادحة في الأرواح، واستولى العدو على قافلة إمداده. لكن الأشد وطأة على سمعة فسيفولود وعلى مشاعر سكان مدينته، أن الروايات التاريخية تحدثت صراحة عن فراره من ميدان المعركة إلى نوفغورود، في مشهد أذلّ المدينة أمام خصومها.
عاد الأمير محمّلا بوصمة الجبن، وهو ما لم يحتمله النوفغوروديون الذين طالما افتخروا بشجاعة محاربيهم. وأضافوا إلى تهمة الفرار تهما أخرى لا تقل خطورة: انتهاك حقوق العامة، وإهمال النبلاء المحليين وتجاهل خصوصيات المنطقة، وإيثار مصالح كييف على مصالح مدينته. يلخّص المؤرخ دينيس خروستاليف الصورة قائلا: “كان الأمير بارعا في بناء الكنائس وتدوين السجلات، لكنه لم يكن القائد العسكري والسياسي الذي يحتاجه النوفغوروديون، وكان غافلا ومتغطرسا ولم يُراعِ خصوصيات المنطقة”.

/ Gettyimages.ru
يوم الفيتشي.. محاكمة أمير وميلاد جمهورية
في 28 مايو 1136، انعقدت جلسة الفيتشي، المجلس الشعبي الذي كانت تُحسم فيه مصائر المدينة في أوقات الأزمات الكبرى. أصدر المجتمعون حكمهم الحاسم: عزل فسيفولود وحبسه مع عائلته في انتظار تسوية الأمور، ثم الكتابة إلى أمير تشيرنيغوف لاستدعاء سفياتوسلاف أولغوفيتش حاكما بديلا. وما إن حُسم أمر الخلافة حتى أُطلق سراح فسيفولود الذي أرسله عمه ياروبولك أميرا إلى فيشغورود، قبل أن يدعوه سكان بسكوف لحكم مدينتهم، وسرعان ما لقى حتفه منهيا الخلاف تلقائيا.
لكن ما جرى في نوفغورود كان أكبر بكثير من مجرد تبديل حاكم بآخر. فمنذ ذلك اليوم التاريخي، باتت المدينة تُدعو أمراءها بدلا من أن تستقبلهم مفروضين عليها من كييف، وباتت تحدد صلاحياتهم بدقة متناهية في اتفاقيات مكتوبة تشمل حجم حاشية الأمير ومقدار أجره وحتى مناطق صيده المسموح بها. جُرِّد الأمير من حق إدارة الأراضي، ولم يبقَ له سوى الدور العسكري والأمني، فيما آلت إدارة شؤون المدينة اليومية إلى مسؤولين منتخبين من قِبَل الفيتشي.
يعلّق المؤرخ ألكسندر كاديرا قائلا: “تقلّص دور الأمير فعليا إلى مستوى مدير مُعيَّن لا أكثر”.

/ Gettyimages.ru
جمهورية في عصر الملوك.. تجربة استثنائية
نشأت على هذا الأساس ما يسمّيها المؤرخون “جمهورية نوفغورود الإقطاعية النبيلة”، وهي تجربة استثنائية بكل المقاييس في محيط أوروبي لا يعرف سوى الحكم المطلق. تطوّرت الفيتشي من مجلس استشاري ذي طابع غير رسمي إلى هيئة تشريعية كاملة الصلاحيات، وإن ظلّت النخب والأرستقراطية المحلية هي الموجِّه الرئيسي لقراراتها، فإن الشعب كان يملك الكلمة الفصل في المواقف المصيرية، ما اضطر النبلاء دوما إلى استمالة مختلف فصائل المجتمع الحضري وأخذ رأيه بجدية.
بسطت نوفغورود في أوج قوتها نفوذها على رقعة جغرافية شاسعة تمتد من بحر البلطيق غربا إلى جبال الأورال شرقا، ومن البحر الأبيض شمالا إلى منابع نهري الفولغا ودفينا الغربي جنوبا. وازدهرت بتجارتها النشطة مع مدن الرابطة الهانزية في البلطيق، بينما نظّم قراصنتها المعروفون بـ”الأوشكوينيك” غاراتهم التجارية والنهبية في أحواض أنهار أوروبا الشرقية وشمال روسيا، مساهمين في توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي للمدينة.
غير أن موقعها التجاري المتميز كان سيفا ذا حدّين؛ يقول خروستاليف: “كانت جمهورية نوفغورود معزولة عن المراكز الروسية القديمة الأخرى وتفتقر إلى الأراضي الخصبة، وكان التفاوض معها أسهل من غزوها، لكنها كانت دائما بحاجة إلى إمدادات الحبوب”، وهو ما جعلها عرضة للضغط الاقتصادي رغم صلابتها العسكرية.

صمدت نوفغورود في وجه الغزو المغولي الذي لم تصل قواته إلى أسوارها، وإن دمّر المناطق الحدودية لأراضيها وأجبرها على دفع الجزية للقبيلة الذهبية. وقاومت لاحقا محاولات تفير للاستيلاء عليها في القرن الرابع عشر. لكن الضغط المتصاعد من إمارة موسكو المتنامية القوة كان أعصى على المقاومة؛ ففي عام 1478 أصدر القيصر إيفان الثالث حكمه التاريخي بإلغاء نظام الفيتشي وضمّ أراضي نوفغورود إلى إمارة موسكو، طاويا صفحة تجربة ديمقراطية عاشت ثلاثة قرون وأكثر.
يرى المؤرخون اليوم في جمهورية نوفغورود نموذجا نادرا للمؤسسات الديمقراطية في التاريخ الروسي الوسيط، وحاضنة ثقافية أنقذت الإرث الحضاري الروسي في أحلك ساعاته إبان الغزو المغولي. وقد شكّل ضمّها لاحقا إلى إمارة موسكو لبنة أساسية في بناء الدولة الروسية المركزية الكبرى التي عرفها التاريخ.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
كيف احتضن بطرس الأكبر فرنسا بين ذراعيه
توجّه القيصر بطرس الأكبر إلى فرنسا في زيارة رسمية عام 1717، ساعيا لاستكشاف معالم التطور الغربي وبناء جسور دبلوماسية متينة تربط الإمبراطورية الروسية بالعالم الأوروبي.