ويعود تاريخ هذه المقابر إلى الفترة ما بين 4000 و3000 قبل الميلاد، وتحتوي على رفات بشر وحيوانات (ماشية وأغنام وماعز) دفنت بعناية، وغالبا ما تكون مرتبة حول شخصية مركزية رئيسية.
وتتراوح أقطار هذه الهياكل الدائرية بين 5 و82 مترا. وقد عرف 20 منها سابقا، لكن لم تدرس بشكل منهجي كتقليد إقليمي.
ونشرت دراسة جديدة في مجلة “المراجعة الأثرية الإفريقية” تفاصيل هذه المعالم والثقافة الرعوية التي ركزت على الماشية وراء بنائها.
وأطلق العلماء على هذه الهياكل اسم “مدافن العتباي المسوّرة”، وتصنف إلى عدة أنواع: معظمها مغلق بالكامل، ونوع واحد يتميز بمدخل واحد. وتختلف في ترتيبات الدفن داخلها، فبعضها يتكون من دوائر متعددة، وبعضها منظم حول قبر بشري محاط بالحيوانات.
ويقدر العلماء أن بناء هذه المعالم تطلب جهدا كبيرا، ما يشير إلى أنها كانت عملا جماعيا. فبالنسبة لمقبرة متوسطة المحيط يبلغ طولها نحو 60 مترا مع نحو 40% من المساحة الفارغة داخل الجدران، فإن العمل سيتطلب 161 يوما من العمل لمدة 8 ساعات لشخص واحد، أو 16.1 يوما لـ10 أشخاص، أو 3.2 أيام لـ50 شخصا.

ولاحظ الفريق أن هذه المدافن وضعت غالبا بالقرب من مصادر المياه، ما يعكس مجتمعا رعويا متنقلا كان يختار مواقع مناسبة للرعي والسقي. ويعود تاريخ هذه الهياكل، وفقا للتنقيبات السابقة والتأريخ بالكربون المشع، إلى الفترة ما بين 4500 و2500 قبل الميلاد.
وقد عثر داخل المعالم التي جرى التنقيب عنها على رفات بشرية وماشية، حيث احتوى أكبر مدفن على نحو 18 قبرا للماشية. كما عثر على رسوم صخرية للماشية في المنطقة، ما يؤكد أن هذه الثقافة كانت “متمركزة حول الماشية”، وهي سمة مشتركة بين مجتمعات الصحراء الشرقية في تلك الحقبة.
وعلى الرغم من وفرة الماشية في هذه المدافن، فإن صحراء العتباي اليوم لم تعد صالحة للرعي. ومنذ 6000 عام، كانت المنطقة في مرحلة انتقالية من “الفترة الرطبة الإفريقية” إلى ظروف أكثر جفافا، ما أدى إلى تصحر سريع وجفاف مصادر المياه، واضطرت المجتمعات الرعوية إلى الهجرة إلى مناطق أكثر ملاءمة.

ويرى العلماء أن تقليد هذه المدافن استمر على الأقل حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد، أي بعد انتهاء الفترة الرطبة الإفريقية بوقت طويل. وهذا يشير إما إلى أن منطقة العتباي ظلت ملاذا رغم تحول الرياح الموسمية، أو أن المناخ المتدهور لم يؤثر بقوة على السكان في هذا الجزء من الصحراء الكبرى كما كان يعتقد سابقا.
كما يحتمل أن بعض هذه الهياكل قد فقدت بفعل التعرية أو الفيضانات أو التعدين الحديث للذهب المنتشر في المنطقة.
ويكشف العلماء أن هذه المقابر لم تكن أمثلة معزولة، بل تمثل نمطا ثابتا يشير إلى وجود ثقافة رعوية متنقلة موحدة امتدت عبر مساحة شاسعة من الصحراء، تمتد لنحو 1000 كيلومتر شرق نهر النيل.
ويعتقد العلماء أن هذه المقابر تقدم دليلا مهما على ظهور “طبقة نخبوية” متميزة في مجتمعات الرعاة الصحراويين خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، حيث تشير الترتيبات الجنائزية (مع دفن أشخاص حول قبر رئيسي) إلى بدايات عدم المساواة الطبقية، وإن كانت ما تزال بعيدة عن الفوارق الواسعة بين الحكام والمحكومين كما في حضارة مصر الفرعونية.
ومن أبرز ما يميز هذه الثقافة القديمة هو المكانة العالية للحيوانات، وخاصة الماشية. فدفن الرعاة أنفسهم بجانب قطعانهم، إلى جانب الرسوم الصخرية المنتشرة في المنطقة، يعكس تقديسا استثنائيا لهذه الحيوانات.

ويشير العلماء إلى أن امتلاك قطعان كبيرة من الماشية في صحراء قاحلة كان بمثابة عرض للثروة والمكانة النادرة، وهو ما قد يفسر حرصهم على دفنها مع أصحابها.
ومن اللافت أن الرعاة المحليين في العصور اللاحقة أعادوا استخدام هذه المقابر “القديمة” لدفن موتاهم، حتى بعد مرور 4000 عام على بنائها، ما جعلها مقابر دائمة استمرت لآلاف السنين.
ويرى العلماء أن هذه الاكتشافات تعيد تشكيل قصة الصحاري الكبرى وتروي مقدمة لظهور العمارة الضخمة في ممالك مصر والنوبة، بعيدا عن صورة الفراعنة والأهرامات والمعابد.
وللأسف، يتعرض العديد من هذه المعالم حاليا للتدمير أو التخريب بفعل التعدين غير المنظم في المنطقة، وهذه المدافن الفريدة التي صمدت لآلاف السنين يمكن أن تختفي في أقل من أسبوع.
المصدر: The Conversation