القرار الذي دفعت إليه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا يستند أساسا إلى عدم تمكين الوكالة من التحقق بصورة كاملة من المواد والمنشآت النووية، ولا سيما بعد انقطاع وصول المفتشين إلى مواقع تعرضت لهجمات أمريكية وإسرائيلية، وعدم حسم مصير مخزون كان يبلغ قبل تلك الهجمات نحو 440.9 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب إلى 60%.
تدويل النزاع
من الناحية السياسية، يتجاوز وزن هذا القرار مضامينه الفنية، حيث ينقل الخلاف من إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تملك أدوات التفتيش والتحقق لكنها لا تملك أدوات عسكرية، إلى مجلس الأمن الذي يستطيع نظريا اعتبار القضية تهديداً للسلم والأمن الدوليين بموجب المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، ثم فرض إجراءات غير عسكرية وفق المادة 41، أو الانتقال في مرحلة أكثر تقدما إلى تدابير عسكرية وفق المادة 42. غير أن الوصول إلى المرحلة الأخيرة يحتاج قرارا مستقلا من مجلس الأمن، وليس نتيجة تلقائية لإحالة الوكالة، كما أن روسيا والصين تملكان حق النقض (الفيتو) القادر على منع أي قرار بهذا الشأن.
العراق: سيناريو مختلف ولكن الدروس قريبة
تشير المقارنات مع أزمة العراق عام 2002 إلى أن القرار الحالي لا يفتح قانونيا باب “تدخل الناتو” أو تفويضا تلقائيا باستخدام القوة، ذلك أن قرار مجلس الأمن رقم 1441 اعتبر العراق في حالة “إخلال جوهري” بالتزاماته لكنه لم يتضمن آلية تلقائية لاستخدام القوة، وذهبت واشنطن ولندن لاحقا إلى الحرب مستندتين إلى تفسير قانوني وسياسي أثار جدلا واسعا. والناتو نفسه يؤكد رسميا أنه لم يتخذ قرار غزو العراق ولم يقد حملة 2003، بل نفذتها “ائتلاف تقوده واشنطن”.
ويفتح القرار الإيراني بابا مختلفا وأكثر إلحاحا وهو: بناء سجل دولي رسمي يمكن استخدامه لتبرير تصعيد تدريجي، إذ إذا استمرت طهران في منع عمليات التحقق، يمكن للدول الغربية القول إن المسار الدبلوماسي والتفتيشي استُنفد، ثم استخدام ذلك لتبرير مزيد من العقوبات والحصار البحري والضربات التي تنفذها الولايات المتحدة أو “ائتلاف راغبين”، حتى في حال تعذر الحصول على تفويض جديد من مجلس الأمن.
هناك أيضا اختلاف جوهري عن سيناريو العراق، إذ أن المرحلة العسكرية بين واشنطن وطهران ليست احتمالا مستقبليا بالكامل، فالمنطقة تشهد في الوقت الراهن ضربات أمريكية وإيرانية متبادلة وهجمات على الملاحة والقواعد والمنشآت. لذلك يمكن النظر إلى إحالة الوكالة باعتبارها محاولة لإضافة غطاء مؤسسي وقانوني إلى مواجهة قائمة أصلا، وليس بالضرورة تمهيدا لبدء حرب جديدة من الصفر.
تدخل الناتو وتدويل شرعية التصعيد
فيما يتعلق بدور الناتو، يبقى سيناريو دخوله كحلف قتالي مباشر هو الأقل ترجيحا، حيث ترتبط المادة الخامسة من معاهدة الأطلسي بتعرض دولة عضو لهجوم مسلح ضمن الشروط الجغرافية والسياسية للمعاهدة، ولا تُفعّل بسبب مخالفة إيران لاتفاقات الضمانات النووية. كما أن قرارات الحلف تحتاج توافقا سياسيا بين أعضائه، وهو ما يبدو صعب التحقيق في ظل الانقسامات الحالية.
وتكمن القيمة الفعلية للقرار في “تدويل شرعية التصعيد” أكثر من فتح طريق مباشر أمام الناتو، وإذا ظهر خلال الأسابيع المقبلة قرار من مجلس الأمن يستخدم صراحة تعبيرات مثل “تهديد للسلم والأمن الدوليين”، أو “جميع التدابير الضرورية”، أو انتقلت دول أوروبية إلى إعلان أن الوسائل الدبلوماسية استُنفدت، فسيكون ذلك مؤشرا أقوى بكثير على الاقتراب من نموذج العراق. أما الإحالة الحالية وحدها، فهي خطوة مهمة في هذا الاتجاه السياسي، لكنها ليست تفويضا بالحرب ولا بوابة تلقائية لتدخل حلف الناتو.
المصدر: RT