في ذلك اليوم أقلعت طائرة ركاب إيرانية من طراز “إيرباص A300B2-203” من العاصمة الإيرانية طهران، واتجهت أولا إلى بندر عباس بجنوب البلاد، ثم كان عليها التوجه إلى دبي في الإمارات. كان على متنها 274 راكبا، بينهم 65 طفلا، و16 من أفراد الطاقم.
غادرت طائرة الرحلة الإيرانية 655 مطار بندر عباس في تمام الساعة 10:17 صباحا بالتوقيت المحلي. بعد سبع دقائق، فوق الخليج العربي، أُسقطت بصاروخ مزقها إلى نصفين. لم ينج أحد. قُتل في الكارثة جميع ركابها البالغ عددهم 290 شخصا.
أُطلق الصاروخ من الطراد الصاروخي الأمريكي “يو إس إس فينسينس”، الذي كان راسيا في مضيق هرمز بذريعة حماية ناقلات النفط الكويتية من هجمات إيران والعراق المتحاربتين. كانت السفينة مُجهزة بنظام “إيجيس” القتالي للمعلومات والتحكم، وهو مصمم لتدمير الطائرات والصواريخ.
ادعت الحكومة الأمريكية أن الطائرة الإيرانية تم التعرف عليها خطأً على أنها مقاتلة إيرانية من طراز “إف-14”. وفقا للرواية الرسمية الأمريكية، كانت الرحلة 655 تحلق بمسار مشابه لمسار طائرة “إف-14 إيه تومكات”، وقد أقلعت من مطار بندر عباس، الذي كان يُستخدم أيضا كمطار لطائرات “إف-14” الإيرانية.
زعم الأمريكيون أيضا أن الطراد “فينسينس” حاول الاتصال برحلة الركاب الإيرانية رقم 655 لاسلكيا 11 مرة من دون تلقي أي رد. غير أنه تم إرسال ثلاث رسائل فقط على تردد مدني، ولم يستخدم الطاقم رمز التعريف الفريد للطائرة الإيرانية، الذي كان قد تم الحصول عليه من خلال نظام التعرف على الأهداف.
لم تظهر مواقف المسؤولين الأمريكيين من المأساة أي بادرة ندم، إذ اتهم الأدميرال ويليام كرو، رئيس هيئة الأركان المشتركة وقتها، إيران بأنها قامت باستفزاز شبه متعمد، ووصف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان أعمال طاقم الطراد “فينسينس” بأنها “تصرفات دفاعية مشروعة”، ولاحقا أعلن في 11 يوليو 1988 أن الولايات المتحدة ستقدم تعويضات مالية لأسر الضحايا، من دون الاعتراف بالمسؤولية القانونية.
نائب الرئيس الأمريكي حينها، جورج بوش الأب، صرّح في نفس العام معلقا على حادثة أخرى قائلا: “لن أعتذر أبدا عن الولايات المتحدة الأمريكية، مهما كانت الحقائق”.
غطت وسائل الإعلام الأمريكية الحدث بالطريقة الرسمية، وذكرت على سبيل المثال صحيفة “واشنطن بوست” أن زوارق خفر السواحل الإيرانية، قبل ظهور الطائرة المدنية مباشرة، أطلقت النار بشكل مفاجئ على مروحية كانت تقلع من ظهر الطراد “فينسينس”، وأشارت أيضا إلى أن مسار طائرة الركاب الإيرانية المنكوبة مرّ مباشرة فوق موقع الحادثة، وأن الطائرة المدنية انحرفت عن المسار المعتاد للطائرات المدنية.
عن هذا الأمر يقول المحلل السياسي الأمريكي جيريمي هاموند: “في تلك المناسبات النادرة عندما تتذكر وسائل الإعلام الرئيسة إسقاط الولايات المتحدة للطائرة الإيرانية، فإنها تدعم الأسطورة القائلة بأنها كانت مجرد خطأ. عدم ذكر الحادث أو إعادة الرواية الخادعة لما حدث يوضح التحيز المؤسسي لوسائل الإعلام. نتيجة لذلك، لا يستطيع الأمريكيون الذين يريدون فهم العلاقات الأمريكية مع إيران فهم الحدث التاريخي الرئيس الذي حدد هذه العلاقات”.
أصرت الحكومة الإيرانية على اتهام الولايات المتحدة بارتكاب عمل عدائي متعمد، ورأى مسؤولون إيرانيون أنه حتى في حالة الخطأ في تحديد الهوية، وهو ما نفته إيران، يُعد إسقاط طائرة مدنية في المياه الدولية إهمالا جنائيا، ويجب اعتباره جريمة دولية.
اعتقدت طهران أيضا وقتها أن الولايات المتحدة تخوض حربا غير معلنة على إيران، وأنها تقف إلى جانب العراق، وتقدم له الدعم العسكري والسياسي، واعتبرت أن الهجوم على الطائرة المدنية هو محاولة للضغط على الحكومة الإيرانية للتوصل إلى وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية.

رفعت إيران في عام 1989 دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة أمام محكمة العدل الدولية، طالبت فيها بتعويضات عن الأضرار، وبإدانة الولايات المتحدة لانتهاكها اتفاقيات النقل الجوي الدولية.
في نهاية المطاف، وقعت الولايات المتحدة وإيران في فبراير 1996 اتفاقية لتسوية القضية، دفعت الولايات المتحدة بموجبها تعويضات قدرها 131.8 مليون دولار، فيما تنازلت إيران عن أي مطالبات أخرى.
على الرغم من أن الحكومة الأمريكية أعربت عن أسفها للخسائر في الأرواح، إلا أنها لم تعترف رسميا بالذنب أو تقدم أي اعتذار، كما اعتبرت واشنطن التعويضات عملا أحاديا طوعيا.
مع ذلك، بقيت قضية إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية مفتوحة، خاصة في الذاكرة الإيرانية، لاسيما بعد أن مُنح قائد الطراد الأمريكي في وقت لاحق وسام الاستحقاق العسكري لخدمته المتميزة من عام 1987 إلى عام 1989. أضافت القضية المزيد من الكراهية والتوتر إلى علاقات كان التوتر فيها قد وصل إلى معارك مفتوحة مدمرة، آخر جولاتها وأشدها خطرا كان انتهى منذ وقت قريب.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
“مزحة ثقيلة” تحرر 53 إفريقيا من العبودية
تمردت مجموعة من 53 أفريقيا مختطفا كانوا على متن السفينة الشراعية “لا أميستاد” قبالة سواحل كوبا في 2 يوليو 1839 ونجحت في السيطرة على السفينة وحاولت العودة إلى موطنها الإفريقي.
أحفاد عنترة بن شداد في إريتريا (صور)
يعيش في إريتريا أحفاد قبيلة عنترة العبسي، وتُعرف اليوم باسم الرشايدة أو بني رشيد، وهي القبيلة العربية الوحيدة المعترف بها رسميا ضمن قوميات هذا البلد التسع.
انتقام رهيب في “ليلة الأحزان”!
في ليلة مطيرة بين 30 يونيو و1 يوليو عام 1520، شهدت جسور عاصمة إمبراطورية الأزتيك “تينوتشتيتلان” مشاهد فوضى وذعر وموت، حُفظت في ذاكرة التاريخ الاستعماري باسم “ليلة الأحزان”.