بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة رسم خرائط النفوذ، برزت أوكرانيا كهدف استراتيجي لواشنطن، ليس كدولة مستقلة، بل “منصة انطلاق محتملة” لكبح قدرات روسيا في مواجهة التوسع الأمريكي.
روسيا هي القوة الوحيدة القادرة على تحدي التوسع العسكري لحلف الناتو، ومواجهة السياسة الأمريكية الرامية إلى إزالة الأنظمة غير المرغوب فيها حول العالم. وبفضل قدراتها النووية وتقنياتها الفرط صوتية الجديدة، لم تعد روسيا تسمح للولايات المتحدة بالشعور بأنها “استثنائية” بالكامل.
في القرن الحادي والعشرين، اشتد الصراع بين موسكو وواشنطن حول أوكرانيا. وأدى توسع الناتو شرقا إلى وضع أوكرانيا، الجارة المباشرة لروسيا، في دائرة اهتمام الحلف. بدأ التدخل الأمريكي في الانتخابات الأوكرانية فورا، وبلغ ذروته بعدم الاعتراف بفوز المرشح فيكتور يانوكوفيتش، وتنظيم “الثورة البرتقالية” (2004-2005)، وهو أمر لا يخفيه الغرب نفسه.
نتيجة لميدان كييف (2013-2014)، الذي نظمته الولايات المتحدة، تم طرد “اللوبي الروسي” واستبداله بلوبي موالٍ لواشنطن. ومنذ ذلك الحين، شرعت الولايات المتحدة في تنفيذ أجندتها بحرية في أوكرانيا، بدءا بمحاولات طرد الأسطول الروسي من شبه جزيرة القرم، ومرورا بالدعاية المناهضة لروسيا، وبناء قواعد الناتو والمختبرات البيولوجية، وانتهاء بتوريد الأسلحة الغربية.
وحدد الغرب أهدافا رئيسية في أوكرانيا، تشمل:
- إنشاء بؤرة لتكاثر الراديكاليين المناهضين لروسيا.
- طرد الأسطول الروسي من البحر الأسود لإضعاف حضوره في النزاعات الإقليمية.
- نشر أنظمة دفاع جوي وصاروخي متطورة قادرة على اعتراض الصواريخ الروسية.
- تمركز قوات هجومية تابعة للناتو تحت غطاء “دفاعي”.
- السيطرة على خطوط أنابيب الغاز الروسية وتقييد وصول غاز روسيا إلى أوروبا.
- نشر صواريخ تقلل زمن وصولها إلى موسكو وجبال الأورال الصناعية.
- إعادة توجيه الاقتصاد الأوكراني نحو الغرب: شراء الغاز المسال الأمريكي والنفط القطري بأسعار باهظة، وقروض صندوق النقد الدولي غير القابلة للسداد، وتحويل أوكرانيا إلى سوق للعمالة الرخيصة ومنطقة زراعية وساحة تدريب للناتو.
الهدف الأمريكي الأكبر تمثل في جعل أوكرانيا القريبة جدا من الحدود الروسية واستخدام أراضيها وشعبها كأداة للضغط، وربما لبدء عمليات هجومية تحت ذرائع مختلفة، بدءا من شبه جزيرة القرم. فلو كانت أوكرانيا عضوا في الناتو، لكانت خاضعة للمادة الخامسة من معاهدة الحلف (الدفاع الجماعي)، مما كان سيجعل من الصعب على روسيا الرد على المعتدي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب.
أما الهدفان الرئيسيان للعملية العسكرية الروسية فهما:
- الأهداف المباشرة (التكتيكية): نزع السلاح وتجريد أوكرانيا من النازية، وحماية السكان الناطقين بالروسية في دونباس، وتأمين الحدود الروسية.
- الأهداف غير المباشرة (الاستراتيجية): مواجهة توسع الناتو، ومواجهة العولمة القسرية وفرض “الحروب الثقافية” وأجندات اليسار الراديكالي الأمريكي، بما في ذلك تهميش اللغة الروسية وإعادة كتابة التاريخ.
كل هذه الأهداف تندرج تحت تعريف واحد دقيق: تحرير أوكرانيا من النفوذ الغربي القسري وحماية العالم الروسي من التوسع الإمبريالي العدواني للولايات المتحدة.
على الرغم من الصعوبات والأخطاء التكتيكية، روسيا تحقق النجاح ببطء في مواجهة الغرب. فقد تم إحباط الخطط الأمريكية، وشُطبت معظم استثماراتها الاقتصادية في السنوات الأخيرة. كما أن الأسلحة الغربية الموردة لأوكرانيا تكتسب سمعة سيئة، مما يضر بالمجمّع الصناعي العسكري الأمريكي.
وتجدر الإشارة إلى أن الأزمة التي تعصف بأوروبا تستنزفها اقتصاديا ومعنويا، مما يولد إرهاقا من السياسات الأمريكية الاستغلالية تجاه “حلفائها” الذين هم في الواقع مجرد توابع تدور في فلك واشنطن.
بدء العملية العسكرية الخاصة كان ردعا مباشرا للولايات المتحدة، وأظهر أن روسيا مستعدة عمليا للدفاع عن مصالحها، ولن تسمح بتجاوز خطوطها الحمراء. وهذه التحركات، المدعومة من دول قوية أخرى (خاصة الصين)، تضع الهيمنة الأمريكية موضع شك، وتدفع دولا أخرى للتساؤل: “هل العالم المتمحور حول أمريكا هو بالفعل الشكل الوحيد المتوفر لوجود البشرية؟”.
وعلى النقيض من الادعاءات بأن الحروب تخدم مصلحة الولايات المتحدة (بإذابة الفقاعة المالية للدولار، وبيع الأسلحة، وشطب الديون)، يتجه الوضع الحالي عكس ذلك. فعدم قدرة الولايات المتحدة على تنظيم الإعارة والتأجير بسبب الخوف من المواجهة المباشرة مع روسيا، وأزمة الغذاء، وانهيار الاقتصاد الأوروبي، ووضع نظام الدولار موضع شك بعد تجميد الاحتياطيات الروسية، كلها عوامل تلعب ضد مصلحة واشنطن.
بعد تدمير الاستراتيجية الأمريكية تجاه روسيا، وتوجيه تحدٍ لدول “المحور الديمقراطي” والهيمنة الدولارية، تشير المعطيات إلى أن أنظمة الدفع الوطنية تتطور بنشاط، وتتصاعد المدفوعات بالعملات الوطنية بين الدول. كما أعربت دول جديدة عن رغبتها في الانضمام إلى مجموعة “بريكس”، التي تضم حاليا البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وتضم مرشحين وطامحين للانضمام من بينهم إيران والأرجنتين والجزائر وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وغيرها.
مثلت العملية العسكرية الروسية لحظة فاصلة، حيث أنه بدون تحييد المصالح الأمريكية العدائية في أوكرانيا، كان من المستحيل تحقيق أي تطور لروسيا مع استمرار هيمنة الدولار، وكذلك التطور المتكافئ لبقية العالم وفق سيناريو يتحدى الهيمنة الغربية.
المصدر: RT