“قفزة برغوث” على حافة الهاوية.. كويكب بطاقة 65 ألف قنبلة نووية يمر قرب الأرض


ربما سيكون ذلك أحد أكثر المشاهد إثارة للرهبة في الذاكرة البشرية جمعاء. إنه لقاء استثنائي على حافة الهاوية، يوم دخل سجلات الأرض لقاء مثير مع قوة كونية عابرة.

في الساعة الحادية والعشرين وست وأربعين دقيقة بتوقيت غرينتش، بينما يغط معظم أنحاء العالم في نوم عميق، يصل هذا العرض السماوي الفريد إلى ذروته. في تلك اللحظة بالضبط، يعبر كويكب “أبوفيس 99942” – هذا الزائر الكوني الذي يزن خمسين مليون طن ويمتد قطره لثلاثمئة وعشرين مترا، أي ما يعادل ثلاثة ملاعب كرة قدم مجتمعة – مدار القمر مندفعا في رحلته بسرعة مذهلة تصل إلى خمسة وأربعين ألف كيلومتر في الساعة.

لو قدر لهذا الوحش الصخري أن يصطدم بالأرض، لحمل في جوفه طاقة تعادل خمسة وستين ألف قنبلة نووية من حجم تلك التي ألقيت على هيروشيما، طاقة هائلة كافية لمحو دولة صغيرة من على الخريطة أو إثارة أمواج تسونامي مدمرة.

اسم يثير الرهبة

اسم “أبوفيس” نفسه لا يترك مجالا للشك في رمزيته المرعبة، فهو اسم إله الظلام والدمار والفوضى في الأساطير المصرية القديمة. لكن العلماء اليوم يؤكدون أن هذا “الإله” المزعوم سيمر بسلام، على الأقل في هذا اللقاء بالذات. بحسب الحسابات الفلكية الدقيقة، فإن الاحتمالات الساحقة، التي تصل إلى 99.7 بالمئة، تؤكد أن هذه الكتلة الحجرية الهائلة ستعبر على بعد يتراوح بين ثلاثين ألفا وثلاثة وثلاثين ألف كيلومتر منا فقط.

قد تبدو هذه المسافة كبيرة بمقاييسنا الأرضية، لكن بمعايير الفضاء الشاسع، فإنها تعادل “قفزة برغوث” كونية لا أكثر. إنها أقرب حتى من العديد من أقمارنا الاصطناعية التي تدور في الحزام الثابت بالنسبة للأرض، إنها بمثابة رصاصة تمر وهي تصفر عند الصدغ ولا تلمسه، تمر بقرب خطر يثير القشعريرة.

مشهد سماوي فريد

هنا تكمن روعة ورهبة المشهد الذي سنشهده. بعد الغسق في ذلك اليوم التاريخي، سيتمكن سكان أوروبا وإفريقيا وغرب آسيا من متابعة هذا الجسم السماوي وهو يعبر صفحة السماء، حيث سيظهر كنقطة مضيئة متحركة تشبه نجما متوسط الحجم، تتحرك ببطء عبر كوكبة السرطان لساعات متواصلة.

سيكون “أبوفيس” أول كويكب في تاريخ البشرية نراه بوضوح بالعين المجردة، شهادة مرئية مباشرة على القوى الكونية الهائلة التي تتحكم بمصيرنا. ثم، بعد أن يدهشنا برؤيته الواضحة، سيخبو ضوءه تدريجيا ويذوب في السواد اللانهائي للفضاء، تاركا وراءه ذكرى لا تنسى وأسئلة وجودية عميقة.

ثقب المفتاح الجاذبي

لكن أين يكمن الشيطان في هذه التفاصيل الكونية البديعة؟ تكمن الإجابة فيما يسميه العلماء “ثقب المفتاح الجاذبي”، وهو فخ غير مرئي، شريط دقيق من الفضاء لا يتعدى عرضه الكيلومتر الواحد. إذا مر أبوفيس على بعد 30404.5 كيلومتر بالضبط من الأرض، فإن جاذبيتنا ستُحدث تغييرا طفيفا ولكنّه مصيري في مساره. هذا التغيير الطفيف سيجعل كوكبنا، بعد سبع سنوات بالضبط في الثالث عشر من أبريل 2036، في مرمى النيران مباشرة. فما هو احتمال وقوع هذه اللعبة الكونية الخطرة؟ إنه احتمال ضئيل جدا، يقدّر بواحد من بين خمسة وأربعين ألف احتمال!

هذا الاحتمال الضئيل يلخص معضلتنا الإنسانية تجاه هذه المخاطر الكونية. كما يقول مايكل دي كاي من مركز كارنيجي ميلون: “البعض يرى أن الخطر المستبعد لا يستحق التفكير، بينما يرى آخرون أن أدنى احتمال لحدث بهذا الحجم غير مقبول”. هذه المقولة تغلف الجدل الإنساني حول كيفية التعامل مع التهديدات ذات الاحتمال المنخفض لكن بعواقب كارثية.

ليس وحده في الكون

في استعدادنا للمستقبل، يجب أن ندرك أن “أبوفيس” ليس وحده في هذا الكون الواسع. فبينما يركز العالم على هذا الكويكب بالذات، تضع وكالات الفضاء عينها على أجرام سماوية أخرى قد تشكل تهديدا محتملا في المستقبل البعيد. فهناك كويكب “بينو” الذي سيمر قرب الأرض في عام 2182 باحتمال اصطدام ضئيل لا يتعدى 0.04 بالمئة.

هناك الكويكب “29075 (1950 DA)” الذي سيقترب منا في عام 2880 باحتمال اصطدام يبلغ 0.0029 بالمئة. كما أن الكويكب “2023 TL4” قد يمر قرب الأرض في عام 2119 باحتمال 0.00055 بالمئة. أما الكويكب “2007 FT3” فاحتمال اصطدامه بالأرض في أحد التواريخ المحتملة، ومنها عام 2024 المنصرم، هو واحد من بين عشرة ملايين احتمال.

تذكير بقوانين الكون

الخلاصة التي نصل إليها هي أن لقاء عام 2029 مع “أبوفيس” هو تذكير بقوانين الكون التي لا ترحم، ولكنه أيضا فرصة فريدة لنشهد روعة النظام الشمسي وهو يتحرك أمام أعيننا. إنه حدث كبير بمثابة تذكير مذهل بهشاشتنا أمام هذه القوى الكونية الهائلة، وأيضا بشهادة على ذكائنا البشري الذي يمكننا من التنبؤ بالخطر وتجنبه. إنه ليس نذير شؤم، بل دعوة صادقة لإمعان النظر في السماء، وتقدير العلم، وتذكر أننا، في هذا الركن الصغير من المجرة، لسنا سوى ركاب على متن سفينة أرضية في رحلة كونية كبرى، رحلة تحمل في طياتها الجمال والخطر، الروعة والرهبة، في تناغم كوني مذهل.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *