عداء أسطوري: روزفلت من أهانني وليس هتلر


بدّد أوينز بذلك كافة مزاعم التفوق العرقي التي كانت تروج لها الدعاية النازية في ذلك الوقت، في مشهد كان الأكثر إحراجا للنظام النازي على أرضه وبين جماهيره، في هذا الأولمبياد الأول الذي بث على نطاق واسع عبر التلفزيون.

لم يتوقف هذا العداء عند هذا الحد، بل حقق في وقت لاحق ثلاثة انتصارات ذهبية أخرى في الدورة نفسها، ليضيف إلى حصيلة بلاده الرياضية أربع ميداليات ذهبية رفيعة المستوى كانت الأولى في سباق 100 متر، والثانية في سباق 200 متر، والثالثة في مسابقة الوثب الطويل، والرابعة في سباق التتابع 4 × 100 متر.

هذا الإنجاز الفريد جعل منه النجم الأبرز على الإطلاق في تلك الألعاب الأولمبية، كما رسخ اسمه كواحد من أبرز رياضيي ألعاب القوى في تاريخ تلك الحقبة بأكملها، حيث لم يسبق لأي عداء أن هيمن على أربعة سباقات بهذه الطريقة المبهرة في دورة أولمبية واحدة.

تشير الروايات التاريخية إلى أن الزعيم النازي أدولف هتلر كان حاضرا في المدرجات وشاهد فوز أوينز في سباق 100 متر عن كثب، وكان من المفترض بحسب البروتوكولات والقواعد الأولمبية أن يقوم بتسليم الميداليات للفائزين شخصيا، لكنه رفض بشكل قاطع مصافحة الرياضي الأسمر.

في تعليق لاحق على هذا الموقف، أشار وزير التسليح النازي ألبرت شبير إلى أن هتلر قال إن البشر الذين خرج أجدادهم من الأدغال، بدائيون، وإنهم أقوى جسديا من الرجال البيض المتحضرين، ولذلك ينبغي استبعادهم تماما من دورات الألعاب الأولمبية المقبلة.

كانت هذه الانتصارات الذهبية الأربعة التي حققها أوينز في قلب العاصمة النازية بمثابة ضربة مباشرة وقاسية لأيديولوجية تفوق “العرق الآري”، إلا أن هذه المفارقة العظيمة لم تمنح البطل المكانة التي يستحقها في موطنه الأم. بدلا من أن يُستقبل استقبال الأبطال، واجه صمتا رسميا وتجاهلا قاسيا جعلاه يشعر بالإهانة.

الصدمة الأكبر جاءت من رئيس بلاده نفسه، فرانكلين روزفلت، الذي تجاهل تماما ميداليات أوينز الذهبية، ولم يرسل له برقية تهنئة بسيطة، الأمر الذي دفع أوينز للتعليق بحسرة قائلا: “لا، لم يُهِنني هتلر في برلين، بل أهانني روزفلت بعدم إرساله حتى برقية تهنئة”.

يعتقد العديد من المؤرخين أن روزفلت كان يخشى أن تُكلّفه تهنئة علنية لبطل رياضي أمريكي بارز من أصول إفريقية، فقدان أصوات الناخبين البيض في جنوب الولايات المتحدة، خاصة أن عام 1936 كان عاما حاسما للانتخابات الرئاسية، حيث كان التوازن السياسي في ذلك الوقت مرهونا بدعم الجنوب المحافظ الذي يرفض أي شكل من أشكال المساواة العرقية.

عند عودته إلى الولايات المتحدة، التي كانت لا تزال تمارس التمييز العنصري بشكل ممنهج، دُعي الفريق الرياضي الأمريكي بأكمله لحضور حفل عشاء في نيويورك، لكن أوينز وزوجته أُجبرا على الدخول والمغادرة من الباب الخلفي المخصص للخدم، في مشهد مهين يعكس انفصام الشخصية الأمريكية بين التمجيد الرياضي والإذلال الاجتماعي. تقول رواية إن كامل الفريق إلى جانب الجهاز التدريبي دخلوا وخرجوا أيضا من الباب الخلفي تضامنا معه، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار معاناته اليومية من التمييز، حيث كان يُمنع من دخول المطاعم المخصصة للبيض، وتُرفض إقامته في الفنادق الراقية التي كانت تستقبل زملاءه البيض بكل حفاوة.

من المفارقات المحزنة أن هذا التجاهل الأمريكي الرسمي لبطل رياضي عاد إلى بلاده بأربع مداليات ذهبية لم يكن حادثا منعزلا، بل كان جزءا من سياسة مستقرة، إذ كان البيت الأبيض في ذلك الوقت لا يحتفي إلا بالأبطال الأولمبيين البيض حصرا، متجاهلا تماما إنجازات السود حتى لو فاقت أقرانهم بمراحل.

الاضطهاد امتد ليشمل حياته المهنية، فبعد انتهاء الأولمبياد مباشرة، رفض أوينز السفر للمشاركة في مسابقات تجارية في السويد، ما أدى إلى استبعاده من المنتخب الوطني واعتزاله الدولي المبكر كرياضي رسمي، ليفقد بذلك فرصته في تحقيق المزيد من الألقاب وخدمة بلاده في المحافل الدولية.

لتأمين قوت عيشه والحصول على المال، اضطر هذا العداء البارز للمشاركة في سباقات غريبة ضد الخيول والكلاب وحتى الكنغر، إضافة إلى عروض استعراضية لا تليق بإنجازاته الأولمبية، وكان عليه أن يركض أمام الجماهير المتفرجة التي جاءت لمشاهدة تلك المهازل، لا لتحية بطل أولمبي.

كان وصفه لتلك الظروف الأليمة موجزا وقاسيا إذ قال: “فزت بأربع ميداليات ذهبية، لكن لا يمكن أكلها”. هذه العبارة تلخص مأساة رياضي من الطراز الأول وجد نفسه يكافح من أجل لقمة العيش بعد أن منح بلاده أعلى درجات المجد الرياضي.

ظلت حياة أوينز صعبة لعقود طويلة، ولم تبدأ الأمور بالتحسن إلا في أواخر الستينيات حين بدأ كبار المُعلنين في استضافته، ولجأ رجال الأعمال إليه كمتحدث ملهم يروي قصة كفاحه، مستفيدين من سيرته الدرامية التي تجمع بين النصر والهزيمة الاجتماعية.

في عام 1972، نال الدكتوراه الفخرية من جامعة أوهايو، وبعد عام واحد فقط أُدرج اسمه في قاعة مشاهير ألعاب القوى الأمريكية، وهو تكريم يمنح لأعظم الرياضيين في التاريخ، ما شكل اعترافا متأخرا بفضله على الرياضة الأمريكية.

في أواخر حياته، نال التقدير المتأخر الذي كان يستحقه، ووصفه الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بأنه أسطورة حية في الولايات المتحدة، وهو لقب لم يمنح للكثيرين من الرياضيين قبله. غير أن الوقت كان قد فات لإنقاذ صحته، إذ أثرت عليه حياته المضطربة في شبابه، خاصة إدمانه التدخين حيث كان يستهلك علبة سجائر يوميا لمدة خمسة وثلاثين عاما، ما أنهك جسده وأسرع في تدهور حالته الصحية.

في الحادي والثلاثين من مارس عام 1980، توفي أوينز عن عمر يناهز السادسة والستين، ليدخل التاريخ كرمز للعنصرية التي عانى منها على ضفتي المحيط الأطلسي، تاركا إرثا رياضيا ونضاليا خالدا يذكّر الأجيال بأن المجد الرياضي لا يحمي صاحبه من ظلم المجتمع، وأن الميداليات مهما لمعت تبقى عاجزة عن تغيير لون البشرة في عيون المتحيزين.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *