عبقري الشطرنج والرياضيات يحرس أحلام باريس في نهائي دوري الأبطال


واليوم، يقف “العقل المدبر” للخط الخلفي الباريسي على أعتاب التاريخ، جاهزا لخوض نهائي دوري أبطال أوروبا أمام أرسنال غدا السبت، في مباراة قد تحسم فيها “الرؤية التحليلية” مصير الكأس الغالية.

أرقام تتحدث عن قائد

لم يكن تألق سافونوف هذا الموسم مجرد صدفة، بل ثمرة عمل دؤوب وعقلية تحليلية نادرة.

فحتى الآن، شارك الحارس الروسي في 25 مباراة مع باريس سان جيرمان عبر جميع المسابقات، استقبلت شباكه خلالها 26 هدفا، بينما حافظ على نظافة شباكه في 12 مباراة، بمعدل حفظ يفوق 45 بالمئة.

وعلى مسرح دوري أبطال أوروبا، كان لسافونوف دور محوري في وصول فريقه للنهائي للعام الثاني على التوالي، ففي 10 مباريات قارية، استقبل 12 هدفا فقط، وحافظ على شباكه نظيفة في 4 مناسبات حاسمة، منها تصديات تاريخية في الأدوار الإقصائية أعادت للأذهان أساطير الحراسة.

 فيلم وثائقي يكشف “ظاهرة السافونوف”

في محاولة لفك شفرة هذا الحارس الاستثنائي، أصدرت الرابطة الفرنسية لكرة القدم (ليغ 1) فيلما وثائقيا بعنوان “من هو ماتفي سافونوف حقا؟”، مدته 10 دقائق، نشر على القناة الرسمية لليغ 1 في يوتيوب.

وتوجه فريق الإنتاج إلى مسقط رأس اللاعب في كراسنودار الروسية، للقاء والديه، ومعلميه، ومدربيه القدامى، في رحلة بحث عن جذور “العبقري” الذي يصفه الفرنسيون بـ”اللاعب المفكر”.

“عقلي هو سر نجاحي”.. القصة من البداية

في افتتاحية الفيلم، سئل سافونوف عن سر أسلوبه الفريد كحارس مرمى، فجاءت إجابته مختصرة لكنها عميقة: “أعتقد أنه الذكاء”.

ويكشف والده يفغيني أن ابنه تعلم القراءة قبل الكلام، وهي معلومة أكدتها تصريحات سافونوف نفسه:
“بدأت التحدث في سن متأخرة، بعد بلوغي الثالثة. لكنني كنت أفهم الحروف والكلمات مسبقا، وربما استطعت قراءة كلمة ‘بابا’ قبل أن أنطق بها”.

وفي المدرسة، لم يكن سافونوف تلميذا عاديا. تفوقه السريع في الرياضيات جعله يمثل تحديا للمعلمين، ليس بسبب السلوك، بل بسبب سرعة بديهته الخارقة.

ويروي الحارس تلك الذكريات قائلا: “كنت أحصل أحيانا على درجات منخفضة، ليس لأن إجاباتي خاطئة، بل لأنني لم أشرح خطوات الحل. كنت أعطي الإجابة الصحيحة مباشرة، فيحتار المعلم: هل وجدتها بنفسي أم نسختها؟”.

وتؤكد معلمته السابقة، ناديجدا رجيفسكايا:
“كان سافونوف من الفائزين بجوائز أولمبياد الرياضيات على مستوى المنطقة. كنا نتوقع له مستقبلا باهرا في مجال البرمجة”.

ويظهر في الفيلم الوثائقي وثيقة رسمية من مسابقة “كانغورو” للرياضيات عام 2011، تثبت حصول سافونوف على المركز الثاني على مستوى مدرسته، والمركز 59 على مستوى المنطقة بأكملها.

وثيقة رسمية من مسابقة “كانغورو” للرياضيات عام 2011

وعن تلك الفترة، يعلق الحارس الروسي بفخر:

“اليوم، توجد العديد من المهن المرتبطة بالرياضيات والحساب. أعتقد أن عقلي كان سيمكنني من تحقيق النجاح لو اخترت هذا المسار. لكنني اخترت كرة القدم”.

الشطرنج: حيث تولد الاستراتيجية

لم تكن الرياضيات وحدها سر نبوغ سافونوف، بل شكل الشطرنج محطة محورية في صقل عقله التحليلي. ففي أكاديمية كراسنودار، التي انضم إليها في سن الثانية عشرة، كان الشطرنج مادة إلزامية في المنهج التدريبي.

يتذكر الحارس تلك الأيام قائلا: “الشطرنج ينمي المنطق، والانضباط، والاستراتيجية. لم نكن نلعب فحسب، بل كنا ندرس النظرية”.

ويكشف آرام فوندوكيان، مدير أكاديمية كراسنودار آنذاك، عن بطولة شطرنج سنوية كانت تقام على 15 لوحة، يلعب فيها أفضل الطلاب ضد مالك النادي، سيرغي غاليتسكي. ويضيف فوندوكيان بابتسامة:
“كان ماتفي من القلائل الذين تمكنوا من هزيمة غاليتسكي”.

وعندما وصفه المحاور بـ”الطفل العبقري”، رفض سافونوف هذا اللقب بتواضع: “عبقري؟ لا أعتقد ذلك. لكنني ذكي، هذا ممكن. لو اخترت البرمجة، ربما حققت النجاح. لكنني اخترت كرة القدم، والآن لدي عقل كروي”.

الاكتشاف: حين التقى السباح بالحارس

قبل كرة القدم، جرب سافونوف عدة رياضات: كرة السلة، والتايكوندو، والجمباز، والسباحة. وكان خلال حصص السباحة في سن الثانية عشرة، لفت انتباه كشافي أكاديمية كراسنودار بمهاراته المائية وقدراته البدنية.

ويمازح أفراد الأكاديمية قائلين إنه قبل انضمامه للنادي، “لم يركل الكرة بقدمه إلا نادرا”.

ومنذ صغره، تميز سافونوف بقدرات بدنية استثنائية. ففي سن 15-16 عاما، كان يستطيع رمي الكرة بيده لمسافة تقترب من دائرة المنتصف (حوالي 60 مترا). وفي تدريبات الترامبولين التي تتطلب قفزات مع دوران 180 درجة، كان معظم زملائه يتوقفون بعد 10 محاولات، بينما كان سافونوف يواصل التدريب بلا كلل.

ويتذكر ديدييه بيانغ، أحد أعضاء الجهاز الفني لكراسنودار، موقفا طريفا يكشف عن ثقة الحارس بنفسه: “اقتربت من حراس المرمى وقلت: ‘سأسجل خمسة أهداف في مرمى كل منكم’. نظر إلي ماتفي وقال: ‘لن تسجل في مرماي خمسة أهداف بالتأكيد’. في أول ركلتين، وقف ساكنا. لكن من الركلة الثالثة، بدأ يقرأ حركتي ويتوقع اتجاه الكرة”.

ديدييه بيانغ، أحد أعضاء الجهاز الفني لكراسنودار

سر ركلات الجزاء: التحليل لا التخمين

تعد براعة سافونوف في التصدي لركلات الجزاء أحد أبرز بصماته كحارس. وقد رسخ سمعته كمتخصص في هذا الجانب حتى قبل انتقاله لأوروبا. يشرح الحارس فلسفته التي تعتمد على العلم لا الحظ:
“هذا ليس تخمينا. إنه مراقبة وتحليل”.

ويعتمد أسلوبه على تفاصيل دقيقة: دراسة طريقة تنفيذ اللاعب للركلة، ومراقبة خطواته، وحتى محاولة استفزازه لاتخاذ قرار معين. يضيف سافونوف:

“يمكنك أن توحي للاعب باتجاه معين، أو أن تتوقع حركته. المهم أن يصدق المهاجم خدعتك. مثلا، قد نتحرك لليمين، لكن في اللحظة الأخيرة نغير الاتجاه. هذه هي الفروق الدقيقة”.

وفي ديسمبر 2025، كتب سافونوف التاريخ كأول حارس في تاريخ كرة القدم يصد أربع ركلات جزاء متتالية في نهائي واحد، وذلك في مباراة كأس الإنتركونتيننتال ضد فلامنغو البرازيلي. وقد خلد هذا الإنجاز في الفيلم الوثائقي كأحد أبرز الأدلة على منهجه الفريد القائم على التحليل لا الحدس.

من كراسنودار إلى باريس: رحلة بطل

سافونوف هو نتاج أكاديمية كراسنودار العريقة، حيث ظهر لأول مرة مع الفريق الأول في سن 18 عاما.

وخلال سنوات قليلة، تطور ليصبح أحد أفضل حراس المرمى في الدوري الروسي الممتاز، وركيزة أساسية في منتخب روسيا.

وفي صيف 2024، انتقل سافونوف إلى باريس سان جيرمان مقابل 20 مليون يورو، في صفقة نادرة للاعب روسي ينضم إلى ناد أوروبي من الطراز الأول. وفي موسمه الأول مع النادي الباريسي، حقق مع الفريق بطولات متعددة:

الدوري الفرنسي، كأس فرنسا، كأس السوبر الفرنسي، دوري أبطال أوروبا، كأس السوبر الأوروبي، كأس الإنتركونتيننتال.

وكان سافونوف نادرا ما يلعب في موسمه الأول مع الفريق الباريسي حيث ظل حبيس كرسي الاحتياط للحارس الإيطالي جيانلويجي دوناروما الذي رحل عن النادي الفرنسي مع نهاية الموسم الماضي لينضم لمانشستر سيتي.

ورغم انضمامه لباريس سان جيرمان كحارس احتياطي في البداية، إلا أنه لم يقبل بهذا الدور. يقول في الفيلم الوثائقي بحزم: “لا أرى نفسي كرقم اثنين”.

وفي موسم 2025/26، فرض سافونوف نفسه في تشكيلة المدرب لويس إنريكي ليصبح الحارس الأول للفريق الباريسي، ليساهم في فوز الفريق بلقب الدوري الفرنسي وبلوغ نهائي دوري الأبطال.

 الغد: نهائي ينتظر بطلا

غدا السبت، يواجه باريس سان جيرمان نظيره أرسنال في نهائي دوري أبطال أوروبا، في مباراة قد تحسم فيها التفاصيل الدقيقة مصير الكأس. وعلى أبواب هذا الاختبار الكبير، يقف ماتفي سافونوف جاهزا، ليس فقط بقدراته البدنية ومهاراته التقنية، بل بعقله التحليلي الذي جعل منه نموذجا فريدا يجمع بين الرياضة والفكر.

“عقلي هو سر نجاحي”.. بهذه العبارة البسيطة، لخص سافونوف فلسفته. واليوم، يحمل هذا العقل أحلام باريس وجماهيرها نحو تتويج تاريخي قد يخلد اسمه ليس فقط كأحد أفضل الحراس، بل كأحد أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام في تاريخ كرة القدم الحديثة.

المصدر: “RT + “transfermarkt



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *