تعافي المصانع الصينية لا يخفي ضعف الطلب


في أغسطس (آب) 2011، تولى تيم كوك قيادة «أبل» في إحدى أصعب لحظات الشركة الرمزية؛ فقد خلف ستيف جوبز، أحد أبرز المبتكرين في تاريخ التكنولوجيا، وكانت المقارنة بين الرجلين تبدو حتمية. لكن كوك لم يحاول أن يكون جوبز آخر، بل اختار أن يبني «أبل» بطريقته الخاصة، مستنداً إلى خبرته في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد، وقدرته على التفاوض، وإدارة العلاقات المعقدة.

وبعد 15 عاماً، يغادر كوك منصب الرئيس التنفيذي في 31 أغسطس 2026، تاركاً وراءه شركة تغير حجمها المالي بصورة هائلة. ويتولى جون تيرنوس، رئيس هندسة الأجهزة في «أبل»، منصب الرئيس التنفيذي بدءاً من 1 سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيبقى كوك رئيساً تنفيذياً لمجلس إدارة الشركة، مع استمرار مشاركته في بعض الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك التواصل مع صناع السياسات حول العالم.

من 350 ملياراً إلى أكثر من 4 تريليونات دولار

ربما تختصر الأرقام قصة عهد كوك أكثر من أي وصف آخر. فعندما أصبح رئيساً تنفيذياً، كانت القيمة السوقية لـ«أبل» نحو 350 مليار دولار، لكنها تجاوزت اليوم 4 تريليونات دولار، بعدما وصلت لفترة وجيزة إلى نحو 5 تريليونات دولار في يوليو (تموز).

وقفز سهم الشركة بأكثر من ألفين في المائة منذ تولي كوك منصبه، متفوقاً بفارق كبير على مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الفترة نفسها.

أما الإيرادات السنوية، فقد ارتفعت من نحو 108 مليارات دولار في 2011 إلى 416 مليار دولار في 2025، أي إنها تضاعفت نحو 4 مرات.

ولم يكن «آيفون» استثناءً من هذه القفزة، إذ ارتفعت إيراداته من 47.1 مليار دولار في 2011 إلى 209.6 مليار دولار في 2025، ليظل المنتج الأساسي الذي يدور حوله جزء كبير من منظومة «أبل».

تيم كوك خلال «مؤتمر أبل العالمي للمطورين» داخل مقر «أبل بارك» في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كوك لم يكتفِ بالـ«آيفون»

كان أحد أهم رهانات كوك هو توسيع المنظومة المحيطة بالهاتف، بحيث يصبح «آيفون» جزءاً من الحياة اليومية وليس مجرد جهاز.

وخلال عهده، أطلقت الشركة «أبل ووتش» و«إيربودز»، فيما توسع قطاع الخدمات بصورة كبيرة، حتى تجاوزت إيراداته 100 مليار دولار سنوياً، ليصبح ثاني أكبر أعمال الشركة بعد «آيفون».

وساعد هذا التحول «أبل» على بناء مصادر إيرادات أوسع تنوعاً وأقل اعتماداً على دورة إطلاق الهواتف وحدها، من الخدمات والاشتراكات إلى الأجهزة القابلة للارتداء والمنتجات المرتبطة بها.

كما دفع كوك الشركة إلى التخلي عن رقائق «إنتل» في أجهزة «ماك» والانتقال إلى رقائقها المصممة داخلياً، في خطوة عززت أداء أجهزة الكومبيوتر المحمولة والمكتبية وكفاءة استهلاكها الطاقة.

سلاح كوك الخفي: سلسلة الإمداد

لم يكن كوك مبتكراً في تصميم المنتجات على طريقة جوبز، لكنه جاء إلى منصب الرئيس التنفيذي بخبرة عميقة في العمليات وسلاسل الإمداد.

وهذه الخبرة أصبحت أحد أهم أسلحته في إدارة إمبراطورية «أبل»، خصوصاً أن تصنيع «آيفون» يعتمد على شبكة عالمية معقدة من الموردين والمصانع، في مقدمتها الصين.

ويقول خبراء إن هدوء كوك، وسرعة اتخاذه القرارات، وقدرته على التفاوض، ساعدت «أبل» في الحفاظ على تدفق إنتاج «آيفون» رغم الأزمات الجيوسياسية والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

ووصف جين مونستر، الشريك الإداري في شركة «ديب ووتر لإدارة الأصول» والمتابع «أبل» منذ سنوات، كوك بأنه بقدر ما أنه رئيسٌ تنفيذيٌ، فقد كان «رجلَ دولة»، في إشارة إلى الدور الذي لعبه في إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية المحيطة بالشركة.

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

بين واشنطن وبكين

كان الحفاظ على سلاسة أعمال «أبل» يتطلب من كوك إدارة علاقة شديدة الحساسية بين الولايات المتحدة والصين، وهما سوقان حيويتان لإمبراطورية الشركة.

ومع تصاعد التوتر التجاري خلال إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وارتفاع الرسوم الجمركية، واجهت «أبل» ضغوطاً لـ«بناء» مزيد من هواتفها داخل الولايات المتحدة.

لكن الشركة اتجهت إلى مسار آخر، وتعهدت باستثمار 600 مليار دولار لتوسيع عملياتها في الولايات المتحدة، بما يشمل إنتاج مكونات أساسية لـ«آيفون» محلياً، في خطوة ساعدتها على تجنب بعض الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية.

الاختبار ينتقل إلى جون تيرنوس

يبدأ جون تيرنوس مهمته في قيادة «أبل» بمرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي ورث فيها كوك الشركة من جوبز. فالشركة لا تزال تملك قوة هائلة في الأجهزة والخدمات، لكنها تواجه سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي، حيث يرى محللون أنها تأخرت عن منافسين مثل «مايكروسوفت» و«غوغل».

وتتجه الأنظار إلى قدرة تيرنوس على مواصلة إرث كوك، مع توقعات بأن تدخل «أبل» مرحلة جديدة من الابتكار تشمل تطوير قدرات «سيري» بالاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب منتجات جديدة قد تشمل هاتفاً قابلاً للطي ونظارات ذكية وأجهزة تركز بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي الأكبر أمام الرئيس التنفيذي الجديد قد لا يكون مجرد ابتكار منتج جديد، بل الحفاظ على الآلة الضخمة التي بناها كوك طيلة 15 عاماً.

نهاية عهد وبداية اختبار جديد

غادر جوبز «أبل» تاركاً وراءه إرث الابتكار، بينما يغادر كوك الشركة التنفيذية بعد أن أعاد تعريف معنى القيادة فيها.

لم يحاول كوك منافسة جوبز في الإبداع والاستعراض، بل ركز على توسيع نطاق الشركة، وتعزيز سلاسل إمدادها، وتنويع مصادر إيراداتها، وتحويل «آيفون» من منتج ناجح إلى مركز لمنظومة رقمية عالمية. ومن شركة تبلغ قيمتها نحو 350 مليار دولار عندما تسلم قيادتها، أصبحت «أبل» اليوم شركة تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار، فيما أصبح السؤال الذي يواجه جون تيرنوس أصعب من مجرد خلافة كوك: هل يستطيع الحفاظ على آلة النمو التي بناها كوك، وإقناع العالم بأن «أبل» لا تزال قادرة على كتابة فصلها التكنولوجي الكبير المقبل؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *