وقبل 70 عاما، كانت أرصفة لندن تشهد فوضى تستغرق 10 أيام لتفريغ سفينة بمشاركة 50 عاملا، لكن اختراع مالكوم ماكلين للحاوية الموحدة عام 1956 قلب المعادلة، وخفض تكاليف الشحن بنسبة 97%.
وهذا الصندوق الحديدي المتواضع لم يكتفِ بتسريع الشحن من تحميل وتفريغ فحسب، بل مهد لعولمة التجارة، وجعل الصين مصنعا للعالم، وجعل الحاويات تنقل اليوم 60% من إجمالي التجارة العالمية، حيث تتسع السفينة الواحدة لما يعادل قطارا بطول 44 ميلا.
لكن اليوم، وفي ظل الطلب المتزايد، تصطدم هذه الثورة بحدودها الطبيعية، ففي حين تستثمر شركات مثل “دي بي ورلد” في توسعة الموانئ، تشير بيانات 2026 إلى اختفاء نحو 1.8 مليون حاوية من الشبكات العالمية بسبب الازدحام. ومع وصول السفن العملاقة التي تستوعب 24 ألف حاوية إلى الحد الأقصى الذي تتحمله الموانئ، يحذر المحللون من تعثر سلاسل الإمداد، مشبهين الموانئ بالمطارات التي تحتاج مدارج أطول لاستيعاب الطائرات الأضخم.
وتتفاقم الأزمة بسبب اختلال الميزان التجاري، فمن أصل 10 حاويات تغادر آسيا نحو الغرب، لا يعود محملا سوى 3 أو 4 منها، مما يرفع كلفة نقل الملايين من الصناديق الفارغة. وتلجأ شركات الشحن لنقل نفايات الورق والنبيذ وحتى الحبوب في رحلات العودة لتقليص الخسائر، في حين يتجه المشغلون لشراء حصص في الموانئ لضمان كفاءة العمليات وتجاوز الاختناقات.
ومع ارتفاع الطلب العالمي على الحاويات بنسبة 5.2% في النصف الأول من 2026، وقفزة الصادرات الصينية بنسبة 12.4%، تتسابق الشركات لتنويع سلاسل إمدادها هربا من الرسوم الجمركية. وفي ظل هذا الزحام غير المسبوق، يبدو أن عصر الخمسين عاما من التجارة العالمية منخفضة التكلفة يقترب من خط النهاية، لتدخل الشبكة البحرية مرحلة جديدة من التحديات الهيكلية.
ويواجه القطاع ضغطا هائلا، إذ يبلغ حجم سفن الحاويات الجديدة قيد الطلب نحو 40% من الأسطول الحالي، وهو مستوى قياسي لم يسبق له مثيل. ورغم أن الحاوية غيرت وجه العالم، إلا أن قدرتها على تحمل هذا النمو المتسارع أصبحت موضع تساؤل، مما يفرض على الحكومات والشركات إعادة التفكير في مستقبل اللوجستيات العالمية.
المصدر: سي إن إن الاقتصادية