«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

يدخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي مرحلة جديدة في مسيرته الاستثمارية، عنوانها الأبرز الانتقال من النمو والتوسع إلى «تحقيق القيمة المستدامة»، مع تركيز أكبر على كفاءة توظيف رأس المال، وتعظيم أداء الأصول القائمة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في تحول يعكس وصول عدد من القطاعات والمشاريع التي أسسها الصندوق خلال السنوات الماضية إلى مستويات أكثر نضجاً.

وتكشف استراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030 عن تحول في طبيعة دوره؛ فمن مرحلة اتسمت بتوظيف رأس المال على نطاق واسع لتأسيس القطاعات والشركات والمشاريع الكبرى، إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار النشط والأداء والانضباط المالي وتكامل المنظومات الاقتصادية محددات رئيسية للقرارات الاستثمارية.

وتأتي الاستراتيجية بعد مرحلة توسع رفعت الأصول تحت الإدارة إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال (906.6 مليار دولار) بنهاية 2025، في حين بلغت مساهمة الصندوق نحو 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة في العام نفسه، ووصلت نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركات محفظته إلى 57 في المائة في 2024.

وقال ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، في تقرير الاستراتيجية إن الصندوق ينفرد بطبيعة مهمته بوصفه مستثمراً محلياً ودولياً يسعى إلى تحقيق عوائد طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه يمثل محركاً للتحول الاقتصادي في السعودية.

وأكد أن المرحلة الجديدة تستند إلى نهج استثماري طويل الأجل يركز على بناء محفظة متينة، وتعظيم قيمة الأصول، ودعم القطاعات التحولية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع توزيع الاستثمارات بصورة منضبطة وتحقيق قيمة مستدامة عبر منظومة الصندوق. وشدد على أن قياس النجاح لا يقتصر على النتائج المالية قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز مرونته على المدى الطويل.

من «النمو» إلى «القيمة»

وتتمثل إحدى أهم رسائل الاستراتيجية في أن حجم الاستثمار وحده لم يعد المعيار الأساسي للمرحلة المقبلة. فالسنوات الخمس حتى 2030 ستشهد تركيزاً أكبر على رفع أداء المحفظة ومرونتها وتعظيم أثرها عبر الدورات الاقتصادية، مع تحقيق توازن بين استمرار نمو أصول الصندوق والتوسع المنضبط في المنظومات الاقتصادية، إلى جانب توطين التقنيات والمعرفة وبناء الشراكات الاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الصندوق سيواصل توظيف رأس المال محلياً ودولياً، لكن بصورة أكثر انتقائية، مع التركيز على التوقيت والقطاعات التي توفر فرص نمو واعدة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على اقتناص الفرص التي تفرزها التحولات الاقتصادية العالمية.

وتحدد الاستراتيجية سبعة أهداف رئيسية، تشمل تنفيذ الاستثمارات والمشاريع المحفزة للمنظومات الاقتصادية المحلية، والإدارة الفعالة للأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر، وتعزيز مصادر التمويل، وزيادة التكامل بين المحافظ الاستثمارية، وتعظيم الأثر الاقتصادي وسلاسل القيمة بالتعاون مع القطاعين الخاص والحكومي، فضلاً عن رفع الكفاءة المؤسسية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات.

ثلاث محافظ

وتعيد الاستراتيجية تنظيم استثمارات الصندوق ضمن ثلاث محافظ رئيسية: محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، في هيكل يهدف إلى تحقيق توازن أوضح بين العوائد المالية والأهداف الوطنية ومستويات المخاطر المختلفة.

وتقود «محفظة الرؤية» جانباً رئيسياً من التنمية المحلية عبر ست منظومات اقتصادية متكاملة، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، و«نيوم».

أما «المحفظة الاستراتيجية»، فتركز على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية وتحويل شركات الصندوق إلى شركات عالمية رائدة، مع الاستثمار في مجالات مستقبلية مرتبطة بالتقنية والاستدامة والتحول الصناعي، إضافة إلى تعزيز السيولة من خلال الإدراج والأنشطة في الأسواق المالية. في المقابل، تستهدف «المحفظة المالية» تحقيق عوائد مالية مستدامة من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة عالمياً، وتنويع المحفظة وتعزيز قدرتها على تنمية الثروة الوطنية للأجيال المقبلة.

القطاع الخاص

ولعل الرسالة الاقتصادية الأكثر وضوحاً في الاستراتيجية الجديدة تتمثل في توسيع انتقال دور القطاع الخاص من الشريك والمستفيد إلى قيادة النمو والتشغيل والتوسع في المنظومات التي أسسها الصندوق.

فوفق الاستراتيجية، يتدخل الصندوق في المراحل الأولى لدعم التوسع وتقليل المخاطر وتحفيز الطلب، لكن مع وصول المنظومات إلى مستويات متقدمة من النضج، يفترض أن تتولى شركات القطاع الخاص والمشغلون والمطورون والمصنعون ومقدمو الخدمات والمستثمرون قيادة مراحل التنفيذ والتشغيل والتوسع.

ويترافق ذلك مع تغيير في آليات التمويل، إذ تتجه الاستراتيجية نحو الاعتماد بصورة متزايدة على مزيج من رأس المال المملوك للصندوق، والأرباح المبقاة، والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال ورفع كفاءة الميزانية وتحويل الأصول تدريجياً من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نمو يقوده القطاع الخاص.

انضباط أكبر في رأس المال

كما تضع الاستراتيجية «الاستثمار النشط» في صميم المرحلة الجديدة، بحيث لا يقتصر دور الصندوق على امتلاك الأصول، وإنما يمتد إلى العمل المباشر مع شركات المحفظة لتحسين الحوكمة وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية والمكانة الاستراتيجية.

وسيخضع تخصيص رأس المال لمراجعات مستمرة، بما يسمح بإعادة توجيهه وفق الأولويات والجدوى التجارية وقدرة المشاريع على جذب استثمارات من أطراف أخرى. كما قد يشمل تحسين إدارة المحفظة إعادة النظر في الجداول الزمنية للمشاريع، ودمج بعض الأنشطة ذات الصلة وتعزيز التكامل بينها عندما يؤدي ذلك إلى رفع الكفاءة.

ويبرز التوطين كذلك بوصفه أداة للانضباط المالي وليس مجرد هدف مستقل؛ إذ تربطه الاستراتيجية بتطوير الموردين المحليين، وتقوية سلاسل الإمداد، وتقليل مخاطر التنفيذ، وتحسين الكفاءة، وبناء قدرات وطنية أكثر استدامة.

العوائد

وفي رسالة أخرى لافتة، تؤكد الاستراتيجية أن أداء الصندوق، بصفته مستثمراً طويل الأجل، لن يقاس بالنتائج الربعية أو تقلبات الأسواق قصيرة المدى. ورغم أن العائد المالي يظل عنصراً أساسياً، فإنه ليس المعيار الوحيد للنجاح.

فالقياس سيمتد إلى جودة المحفظة، والمساهمة في الاقتصاد غير النفطي، وتنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، والتوطين، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، إضافة إلى قدرة الاستثمارات على تعزيز متانة الاقتصاد السعودي ومرونته على المدى الطويل.

وبذلك، ترسم استراتيجية 2026 – 2030 تحولاً في وظيفة الصندوق من «بناء القطاعات» إلى «تعظيم قيمة المنظومات»، ومن التوسع في توظيف رأس المال إلى رفع كفاءته، ومن قيادة القطاع العام للمراحل التأسيسية إلى تمكين القطاع الخاص من تولي مساحة أكبر في النمو.

وهو تحول يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المشاريع الجديدة أو حجم الأموال المستثمرة، وإنما بقدرة الأصول التي بُنيت خلال العقد الماضي على توليد عوائد مستدامة، وجذب رؤوس أموال جديدة، وخلق قطاعات قادرة تدريجياً على النمو والتوسع بآليات السوق، مع استمرار الصندوق في دوره باعتباره مستثمراً طويل الأجل ومحركاً للتحول الاقتصادي في المملكة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *