السعودية تعزز مكانتها كإحدى الأسواق المهمة بالمنطقة


مع صعود الذهب إلى مستويات قياسية خلال 2026، وتزايد دوره كأداة للتحوط وتنويع المحافظ في ظل ارتفاع الدين العالمي واستمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، تبرز السعودية كإحدى الأسواق التي تشهد تحولات متسارعة في قطاع الذهب، مدفوعة بنمو الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي وتوسع الأنشطة السياحية والمالية. ويرى رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي، أندرو نايلور، أن هذه التحولات تدعم مكانة المملكة ضمن أسواق الذهب الرئيسية في المنطقة، وتوفر فرصاً جديدة لنمو القطاع خلال السنوات المقبلة.

وقال نايلور، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الذهب دخل مرحلة تتجاوز ارتباطه بالأزمات الآنية، مع تنامي دوره كأصل استراتيجي في المحافظ الاستثمارية، في وقت بلغ إجمالي الطلب العالمي على الذهب، بما في ذلك التداول خارج البورصة، نحو 1269 طناً خلال الربع الثاني من 2026، بينما ارتفع الطلب خلال النصف الأول بنسبة 2 في المائة على أساس سنوي إلى 2522 طناً، بينما بلغت قيمة الطلب مستوى قياسياً عند نحو 380 مليار دولار.

رئيس شؤون الشرق الأوسط والسياسات العامة في مجلس الذهب العالمي أندرو نايلور (المجلس)

وتأتي هذه المستويات في ظل ارتفاعات قوية في أسعار الذهب خلال العام، إذ بلغ متوسط سعر المعدن وفق معيار لندن 4506 دولارات للأوقية خلال الربع الثاني، بزيادة كبيرة على مستواه في الفترة المماثلة من العام الماضي، رغم تراجعه عن المستوى القياسي المسجل في الربع الأول. وتعكس حركة الأسعار استمرار إقبال المستثمرين على الذهب، في وقت تتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية مع توقعات أسعار الفائدة وتقلبات العملات ومستويات الدين المرتفعة.

واكتسب الذهب دفعة إضافية في أغسطس (آب) مع تصاعد المخاوف بشأن مستويات الدين الأميركي، خصوصاً بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل للعملية. وتزامن الإعلان في 19 أغسطس مع تراجع عوائد سندات الخزانة والدولار، وقفز الذهب بأكثر من 3 في المائة في جلسة واحدة، في إشارة إلى استمرار حساسية المستثمرين تجاه تطورات سوق الدين الأميركي والسياسة المالية.

مخاطر الاقتصاد العالمي

وأوضح نايلور أن أهمية الذهب ازدادت في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي عالمياً، مشيراً إلى أن المستثمرين لا يتفاعلون مع أحداث منفردة فحسب، بل مع بيئة تتسم بتزايد المخاطر واستمرارها، من التوترات الجيوسياسية إلى عدم اليقين بشأن التضخم وأسعار الفائدة وتقلبات أسواق العملات.

وأضاف أن الذهب يواصل أداء دوره كأداة لتنويع المحافظ والحفاظ على القيمة وتعزيز قدرتها على مواجهة التقلبات، لافتاً إلى أن المخاوف المرتبطة بارتفاع مستويات الدين العالمي واستدامتها أصبحت من العوامل التي تدعم الاهتمام بالذهب.

وتأتي هذه العوامل في وقت أظهرت فيه بيانات التضخم الأميركية الأخيرة استمرار ضغوط الأسعار، إذ استقر التضخم السنوي وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.7 في المائة في يوليو (تموز)، متجاوزاً قليلاً توقعات الأسواق. ويعزز استمرار التضخم فوق مستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة أهمية مسار أسعار الفائدة والدولار بالنسبة إلى حركة الذهب، في وقت تترقب فيه الأسواق إشارات جديدة بشأن السياسة النقدية الأميركية.

وأشار نايلور إلى أن جاذبية الذهب لا تستند إلى عامل واحد، موضحاً أن التطورات الجيوسياسية تمثل أحد المحركات، لكنها تتفاعل مع مجموعة أوسع من العوامل الاقتصادية والمالية والاستثمارية.

مجوهرات معروضة في أحد المحال في السعودية (تركي العقيلي)

الاستثمار يحافظ على زخمه

وعلى الرغم من بعض التهدئة في الطلب الاستثماري بعد بداية قوية للعام، ظل الطلب العالمي على السبائك والعملات الذهبية عند مستويات مرتفعة، بينما واصل الطلب خارج البورصة، خصوصاً في الأسواق الآسيوية، دعم السوق.

وقال نايلور إن الاستثمار قد يظل أحد المحركات الرئيسية للطلب خلال الفترة المقبلة، في ظل سعي المستثمرين إلى تنويع محافظهم والتحوط من مجموعة أوسع من المخاطر.

وأضاف أن استمرار التوترات الجيوسياسية يمكن أن يوفر دعماً إضافياً للطلب، إلا أن تأثيرها سيعتمد على كيفية تفاعلها مع البيئة الاقتصادية والمالية الأوسع، بما في ذلك اتجاهات التضخم وأسعار الفائدة والعملات.

آسيا تقود الطلب

وعن المناطق الأكثر قدرة على قيادة الطلب العالمي، قال نايلور إن آسيا ستظل محركاً رئيسياً للسوق، مع استمرار الصين والهند، إلى جانب أسواق الشرق الأوسط، في لعب دور مهم في الاستثمار والطلب على المجوهرات.

وبلغ الطلب على السبائك والعملات الذهبية في الصين نحو 107 أطنان خلال الربع الثاني، مقابل 50 طناً في الهند، في مؤشر على استمرار الاهتمام الاستثماري رغم تأثير ارتفاع الأسعار على بعض شرائح المستهلكين.

وأوضح أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يغير تركيبة الطلب بين فئاته المختلفة، إذ تميل المنتجات الاستثمارية إلى إظهار قدر أكبر من المرونة مقارنة بالمجوهرات خلال فترات ارتفاع الأسعار.

رجل يمر أمام محل لبيع الذهب في السوق الكبيرة بإسطنبول (أ.ف.ب)

الخليج يعزز دوره

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط، قال نايلور إن التطورات الجيوسياسية أسهمت في زيادة الاهتمام بالذهب، إلا أن سلوك المستثمرين في المنطقة يعكس أيضاً اتجاهاً أوسع نحو تنويع المحافظ والتحوط من التقلبات الاقتصادية والمالية ومخاطر العملات.

وأضاف أن السعودية والإمارات تواصلان تعزيز مكانتهما بوصفهما مراكز مالية وإدارة ثروات في المنطقة، بما يدعم الطلب على الذهب على المدى الطويل.

وأكد أن الخليج يؤدي دوراً حيوياً في سوق الذهب العالمية، مستفيداً من موقعه الجغرافي وشبكاته التجارية وبنيته التحتية المتقدمة في مجالات التكرير والخدمات اللوجستية والتجارة.

وأشار إلى أن تطور الأسواق المالية والنمو الاقتصادي في المنطقة يفتحان المجال أمام مزيد من التوسع في هذا الدور خلال السنوات المقبلة، في حين أصبحت المنطقة تتجاوز دورها التقليدي كسوق استهلاكية للذهب إلى دور أكبر في حركة التجارة والتدفقات العالمية.

السعودية… سوق تتسع

وحول السوق السعودية تحديداً، قال نايلور إن المملكة تحظى باهتمام متزايد في ظل التحولات الاقتصادية الجارية وتوسع الأنشطة الاستثمارية وارتفاع مستويات الإنفاق الاستهلاكي والسياحي، وهي عوامل تدعم مكانتها كإحدى الأسواق المهمة للذهب في المنطقة.

وأضاف أن المبادرات المرتبطة بـ«رؤية 2030»، خصوصاً تنمية قطاعات السياحة والتجزئة والترفيه، إلى جانب النمو السكاني وتطور أنماط الإنفاق، توفر بيئة داعمة لتطور قطاع الذهب والمجوهرات على المدى الطويل.

ويرى أن تنامي الأنشطة السياحية والاستهلاكية في المملكة يمكن أن يفتح فرصاً جديدة أمام قطاع المجوهرات، في حين يدعم تطور الأسواق المالية والثروات الخاصة الجانب الاستثماري من الطلب.

عامل يعرض سبيكة ذهبية تزن كيلوغراماً واحداً في مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

البنوك المركزية

وعلى صعيد البنوك المركزية، أشار نايلور إلى أن الطلب الرسمي أصبح أحد العوامل الهيكلية الداعمة للسوق، إذ أضافت البنوك المركزية 289 طناً إلى احتياطاتها خلال الربع الثاني، ليصل إجمالي مشترياتها إلى 345 طناً خلال النصف الأول من العام.

ورغم انخفاض هذه المستويات عن المعدلات الاستثنائية المسجلة في بعض الفترات السابقة، فإنها تظل قوية وفق المعايير التاريخية، وتعكس استمرار توجه البنوك المركزية إلى الذهب كأصل احتياطي استراتيجي.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه النقاشات حول تنويع الاحتياطيات العالمية ومخاطر العملات والسياسات النقدية، ما يمنح الطلب الرسمي على الذهب بعداً طويل الأجل يتجاوز تحركات الأسعار قصيرة الأجل.

ويتيح استمرار هذا الطلب، إلى جانب تنامي الطلب الاستثماري والاستهلاكي، للسوق السعودية فرصة للاستفادة من هذه التحولات، خصوصاً مع تنامي السياحة وتطور قطاع التجزئة وتوسع قاعدة المستثمرين.

ولا يعني ذلك أن المملكة تنافس المراكز العالمية الكبرى في تداول الذهب أو تكريره، وإنما أن التحولات الاقتصادية المحلية تتيح لها تعزيز دورها كمركز إقليمي مهم للطلب والاستثمار والخدمات المرتبطة بالذهب.

وبذلك، فإن قصة الذهب في السعودية لا تتعلق فقط بارتفاع الأسعار العالمية، بل بتحول أوسع في طبيعة الطلب، يتقاطع فيه الاستثمار مع السياحة والاستهلاك وتطور الأسواق المالية، في وقت يبحث فيه المستثمرون عالمياً عن أصول قادرة على تنويع المحافظ والحفاظ على القيمة وسط بيئة اقتصادية أكثر تقلباً.

حقائق

الطلب العالمي على الذهب والقيمة المالية:

1269 طناً: إجمالي الطلب العالمي على الذهب خلال الربع الثاني.

2522 طناً: إجمالي الطلب العالمي على الذهب خلال النصف الأول بزيادة قدرها 2 % على أساس سنوي.

380 مليار دولار: القيمة المالية الإجمالية القياسية للطلب العالمي على الذهب خلال النصف الأول.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *