تعتقد المصادر القديمة أن الجاني كان رجلا من أفسس يُدعى هيروستراتوس. بحسب المؤرخ الإغريقي ثيوبومبوس، أشعل هيروستراتوس النار في المعبد، واعترف، تحت التعذيب، بأنه فعل ذلك طمعا في المجد الخالد، ورغبة منه في أن يخلد اسمه في صفحات التاريخ.
يُوصف هذا المعبد بأنه الأول من نوعه في العالم اليوناني الذي بُني بالكامل من الرخام، إذ كان يضم مئة وسبعة وعشرين عمودا، يبلغ ارتفاع كل منها نحو ثمانية عشر مترا. دفعت هذه المواصفات الهندسية الضخمة المؤرخ الشهير هيرودوت، الذي يُلقب بأبي التاريخ، إلى إدراجه في قائمته الخاصة بعجائب الدنيا السبع الأصلية.
لم يكن معبد أرتميس مجرد مبنى ديني فحسب، بل كان وجهة سياحية جذابة، ومكانا للجوء، ومركزا روحانيا يجذب الزوار من كل حدب وصوب.
تذكر رواية الحريق المتعمد أن هيروستراتوس أشعل النيران في العوارض الخشبية للسقف، فانتشرت النيران بسرعة هائلة، وتحول المعبد بأكمله إلى كومة من الأنقاض والرماد بين عشية وضحاها.
على إثر ذلك، حكم أهل مدينة أفسس على المتهم بالإعدام، وأمروا بمحو اسمه من جميع السجلات والذاكرة الجماعية، كي لا يبقى له أي أثر. من المفارقات العجيبة أن المؤرخ ثيوبومبوس نفسه هو الذي خلّد ذكر اسم هيروستراتوس والقصة المرتبطة به في مؤلفاته التاريخية لاحقا، ما ساعد على انتشار هذه الرواية على نطاق واسع، على نقيض ما سعى إليه أهل أفسس.
هكذا، أصبح اسم هيروستراتوس معروفا على نطاق واسع، لكن المصطلح المرتبط به، وهو “مجد هيروستراتوس”، تحول ليعني مجدا يقترن بالعار، ويُستعمل غالبا في الإشارة إلى الشخص الذي يشتهر بتدمير ما بناه الآخرون، ساعيا إلى الشهرة عبر الإجرام.
علاوة على ذلك، ظهرت عدة أساطير وحكايات راسخة حول هذا الحدث، وارتبطت إحداها بشكل وثيق بميلاد الإسكندر الأكبر المقدوني. ترددت في الكتب القديمة فكرة أن معبد أرتميس احترق في الليلة نفسها التي وُلد فيها الإسكندر، ذلك الفاتح الشهير الذي غير خريطة العالم لاحقا. كتب الفيلسوف بلوتارخ أن أهالي أفسس كانوا مشغولين بمشاهدة ميلاد الإسكندر وتفاصيله العجيبة، لدرجة أنهم لم يتمكنوا من إنقاذ معبدهم من الحريق. هذه الأسطورة أصبحت تعتبر بمثابة نذير شؤم، حيث ارتبطت نهاية صرح عظيم بميلاد قائد عظيم آخر.
كما راجت رواية أخرى زعمت أن المعبد لم يحترق كليا لأنه مبني من الرخام، ومن الوهلة الأولى يبدو احتراق مثل هذا البناء الضخم مستحيلا لأن الحجر لا يحترق. الحقيقة أن القسم الداخلي من المعبد احتوى على عناصر خشبية كثيرة، مثل العوارض والزخارف، كما أن أساساته بنيت بطريقة غير تقليدية، على وسادة من الفحم والصوف، ما ساهم في توليد حرارة شديدة أدت إلى تدمير جدران الرخام وتصدعها أثناء الحريق.
يشير بعض الباحثين المعاصرين إلى أن الحريق المتعمد ربما يكون قد أُضرم على يد مسؤولي المعبد أنفسهم، دافعهم في ذلك أنهم كانوا يعلمون بأن الأساسات بدأت تغوص في الأرض، ولكنهم لم يستطيعوا نقل المعبد بسبب المحظورات الدينية الصارمة.
من ناحية أخرى، ظهرت فكرة أخرى يدعي أصحابها أن الحريق أفاد مدينة أفسس في النهاية، لأنه مهد الطريق لبناء معبد جديد أكثر فخامة وروعة، ويُذكر أن الإسكندر الأكبر كان أحد الداعمين الماليين لعملية إعادة البناء هذه.
وصل الغموض بهذه الحادثة التاريخية إلى حد زعم البعض أن هيروستراتوس البائس لم يحرق هذا المعبد الفريد المصنوع من الرخام، بل أضرم النار في معبد خشبي أقدم كان قائما في ذات الموقع. بحسب هذه الرواية البديلة، فإن فعل هيروستراتوس حفز الأهالي على بناء معبد جديد أكثر فخامة، هو الذي ذاع صيته في القرون اللاحقة وعُد من عجائب الدنيا.
بالنظر إلى دوافع هيروستراتوس، فإنها تظل غامضة حتى اليوم، إذ إن الرواية الرسمية تزعم أنه تصرف طمعا في المجد، لكن العديد من الباحثين يشككون في صدق اعترافاته، خاصة أنها انتزعت منه تحت التعذيب.
على أي حال، كانت خسارة المعبد في ذلك الحين ثقيلة جدا، لأنه لم يكن مركزا دينيا فحسب، بل كان أيضا مركزا اقتصاديا حيويا، حيث كانت تحفظ فيه أموال السكان، وتعقد الصفقات التجارية الكبرى، وتجرى المفاوضات المهمة في أروقته الواسعة. لقد شكل تدميره ضربة قاسية ليس فقط للمشاعر الدينية والأخلاقية، بل أيضا للاقتصاد المزدهر لمدينة أفسس.
كان تدمير معبد أرتميس مأساة حقيقية سببها الغرور الشخصي أو ربما ظروف أخرى، ومع ذلك فقد خلّدته الأجيال اللاحقة، لارتباطه الأسطوري بميلاد الإسكندر الأكبر، ولما يحمله من دلالات فلسفية عميقة حول مفهوم العار والمجد الزائف. هو ليس مجرد حدث تاريخي عابر، بل تحول إلى رمز ثقافي خالد، يتناول العلاقة الجدلية بين قيم الشهرة والخلود من جهة، وبين التدمير والجنون من الجهة الأخرى.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
يوم الرعب في الإسكندرية
في 21 يوليو عام 365، تسبب زلزال قوي بالقرب من جزيرة كريت في حدوث تسونامي هائل دمر الإسكندرية وما جاورها، وأجزاء أخرى من شرق البحر المتوسط، ما أسفر عن مقتل الآلاف.
ماذا أضاف العرب لـ”صنوف الجيش الأربعة”؟
تطور الشطرنج من لعبة تشاتورانغا التي ظهرت في الهند في القرن الخامس الميلادي، ويترجم هذا الاسم من اللغة السنسكريتية إلى “صنوف الجيش الأربعة”، وهي العربات والفرسان والفيلة والمشاة.
قصة دولة تمددت خارح الحدود ثم اختفت فجأة !
ظهرت على مر التاريخ بعض الدول في العالم ثم اختفت بشكل نهائي، وإحداها دولة صغيرة برزت في القرن السابع عشر حتى أنها نافست دولاً كبرى وأسست مستعمرات في غرب إفريقيا وفي الكاريبي.
عرائس الصين في “ساحة العرب”!
في حدائق وساحات العديد من المدن الصينية، تنتشر ظاهرة اجتماعية تُعرف باسم “زوايا التوفيق بين الأبناء” أو “أسواق الزواج”، حيث يجتمع الآباء والأمهات للبحث عن شركاء حياة لأبنائهم.