الجدير بالذكر أن ما يعرف بخانية القبيلة الذهبية هي إمبراطورية مغولية-تركية تأسست في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي بعد أن استقلت عن الإمبراطورية المغولية الكبرى عام 1260، وحكمت أجزاء واسعة من روسيا وأوكرانيا وآسيا الوسطى.
كانت معركة كوليكوفو التي دارت رحاها في 8 سبتمبر 1380، نقطة تحول في صراع الروس ضد القبيلة الذهبية. جرت المعركة في سهل كوليكوفو، عند مصب نهر نيبريادفا في نهر الدون، فيما يُعرف اليوم بمقاطعة تولا في روسيا.
الأسباب التي دفعت إلى المعركة تتمثل في تنامي قوة دوقية موسكو وتحديها الصريح للقبيلة الذهبية، لا سيما بعد انتصار دوقية موسكو في معركة نهر فوزا عام 1378. كما سعى حاكم القبيلة الذهبية، ماماي، إلى استعادة السيطرة ومعاقبة الروس. كان جيشه قوة ضمت عدة جنسيات، بما في ذلك مرتزقة من جنوة.
كان الطرف الروسي في هذه المعركة جيشا موحدا بقيادة ديمتري إيفانوفيتش الذي لُقب لاحقا دونسكوي، أمير موسكو الأكبر وفلاديمير، بمشاركة فرق وأفواج قدمت من العديد من الأراضي الروسية.
في الطرف المقابل، جمع قائد المغول ماماي محاربين من الأراضي الخاضعة لسيطرة القبيلة الذهبية على الضفة اليمنى لنهر الفولغا، وشبه جزيرة القرم، وشمال القوقاز، بالإضافة إلى قوات مرتزقة من المستعمرات الإيطالية في القرم.
علم القائد الروسي ديمتري بقدوم ماماي في أغسطس 1380، فجمع قواته وعبر بها ليلة 7 إلى 8 سبتمبر نهر الدون وقام بإحراق الجسور خلفه. بهذه المناورة الجريئة والمحفوفة بالمخاطر، قطع ديمتري إيفانوفيتش طريق الانسحاب عمدا لرفع معنويات قواته.
اصطف الجيش الروسي في تشكيل قتالي، تاركا نحو ثلث قواته في كمائن واحتياطي. في الوسط، تمركز الفوج الكبير بقيادة أوكولنيتشي تيموفي فيليامينوف، محاطا بالفوجين الأيمن والأيسر. تقدم فوج الحرس، وتبعه فوج الطليعة. أما فوج الكمائن، بقيادة ابن عم ديمتري إيفانوفيتش، الأمير فلاديمير أندرييفيتش من سيربوخوف، والقائد ديمتري بوبروك-فولينسكي، فقد تمركز سرا في غابة زيلينيا دوبرافا.
بدأت المعركة صباح الثامن من سبتمبر. بدأت بمبارزة بين اثنين من المقاتلين. مثل الروس مقاتل يدعى ألكسندر بيريسفيت وواجه محاربا مغوليا يدعى تشيلوباي. تبادل المقاتلان الضرب بالرماح، وقتلا الاثنان في وقت واحد، إلا أن بيريسفيت بقي على صهوة جواده، فيما سقط تشيلوباي أرضا.
بعد انتهاء المبارزة، اشتبكت القوات الرئيسة حوالي الظهر. دار قتال شرس للغاية واستمر لمدة ثلاث ساعات تقريبا، وتكبد كلا الجانبين خسائر فادحة. كان الروس منظمين في ستة أفواج رئيسة، بما في ذلك فوج كبير وفوج احتياطي يُسمى “فوج الكمائن” مختبئ في بستان بلوط قريب.
عقب ذلك، هاجمت قوات المغول فوج الحرس الروسي، الذي كاد أن يُدمر بالكامل، إلا أن ذلك أضعف الهجوم. بعد ذلك دخلت القوات الرئيسة المعركة. لمدة ساعتين تقريبا، صمدت الأفواج الروسية في وجه هجمات فرسان ماماي المتواصلة في مساحة معركة ضيقة.
حوالي منتصف النهار، تمكنت قوات المغول من اختراق الجناح الأيسر للقوات الروسية والوصول إلى مؤخرة الفوج الكبير، وأُصيب أمير موسكو، واشتد خطر حدوث تطويق كامل. في تلك اللحظة الحرجة، شن فوج الكمائن هجوما من غابة زيلينيا دوبرافا. أثار الهجوم المفاجئ حالة من الذعر بين صفوف العدو. حوصر فرسان ماماي على ضفاف النهر وكادوا أن يسحقوا بالكامل.
أخيرا لاذت قوات ماماي بالفرار، فيما قاد فلاديمير سيربوخوفسكوي المطاردة التي استمرت حتى حلول الظلام. كانت هزيمة جيش القبيلة الذهبية ساحقة، فقد قُتل معظم مقاتليها في المعركة أو أثناء فرارهم، كما سقط معسكر ماماي، بكل ما فيه من ممتلكات وأمتعة وقطعان، في أيدي المنتصرين.
لعدة أيام، انكب الجنود الروس على دفن القتلى وجمع الغنائم. عزز النصر في معركة كوليكوفو نفوذ موسكو وسلطانها وأميرها بشكل كبير، وساهم في ترسيخ إمارة موسكو كمركز لتوحيد الأراضي الروسية.
فر قائد القبيلة الذهبية ماماي إلى شبه جزيرة القرم، حيث قُتل لاحقا. وانتقلت السلطة إلى خان توختاميش، الذي وحّد قوات القبيلة فيما بعد وقاد حملة في عام 1382 نهب خلالها موسكو، وأعاد بسط نفوذ المغول على الإمارات الروسية.
مع ذلك، كانت معركة كوليكوفو خطوة هامة نحو استعادة وحدة روسيا والإطاحة بنير القبيلة الذهبية في نهاية المطاف. أظهرت هذه المعركة أن مقاومة عدو قوي ممكنة من خلال الجهود المشتركة، كما أعطى هذا النصر الكبير دفعة قوية لتشكيل الهوية الوطنية.
على الرغم من أن التحرر النهائي من القبيلة الذهبية حدث في وقت لاحق، إلا أن الروس استمدوا من هذا النصر الثقة في إمكانية هزيمة عدو عُرف بقوته وشراسته.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
عرض عسكري “منسي” وأمور أمريكية “طارئة”!
أُقيم في 7 سبتمبر 1945 عرض لقوات دول التحالف المناهض لهتلر في برلين، وشمل القوات السوفيتية التي اقتحمت برلين، بالإضافة إلى الأمريكية والبريطانية والفرنسية المتمركزة في غرب برلين.
دولة قامت حول صومعة!
توجد بأوروبا دول يمكن قطعها من حدها إلى الآخر بسهولة سيرا على الأقدام في يوم واحد، بل إن بعضها يمكن اجتيازه في ساعتين. من بين هذه الدول، سان مارينو، الأصغر والأكثر عراقة.