لم يكن ليسكوف واحدا من أكثر الكتاب الروس أصالة فحسب، بل كان أيضا من بين الذين لم يُقدَّروا حق قدرهم خلال حياتهم، إلا أن تأثيره في الأدب الروسي يمكن مقارنته بإسهام إيفان تورغينيف، الذي كشف من خلال أعماله عن حياة الفلاحين للقارئ الروسي، كما فعل ليسكوف مع رجال الدين، حيث جعلهم محور نصوصه الأدبية، معتمدا في ذلك على مزيج من التعاطف والنقد، ولم يكن هذا التعمق اعتباطيا، بل جاء نتيجة انتمائه لعائلة عريقة، فقد كان جده وجدّ جده وجميع رجال والده من رجال الدين، في حين خالف والده هذه التقاليد، إذ تخرج من المعهد الديني لكنه رفض أن يصبح كاهنا، مما أغضب والده، والتحق بمحكمة أوريول الجنائية التي أهلته للوراثة في طبقة النبلاء.
/ Legion-Media
كان تعليم ليسكوف محدودا، فقد قضى خمس سنوات في مدرسة أوريول الثانوية، لم يُكمل خلالها سوى ثلاث سنوات دراسية، وعندما بلغ السادسة عشرة التحق بمحكمة أوريول الجنائية، وعندما شعرت والدته أنه قد يرتكب خطأ أرسلته إلى أخيها المقيم في كييف.عمل ليسكوف تحت إشراف خاله في الخزانة والتحق بالجامعة كمراجع حسابات، إلا أن التعلم الحقيقي جاء من خاله الآخر البريطاني المتأثر بالثقافة الروسية ألكسندر ياكوفليفيتش سكوت، الذي ساهم في صقل رؤيته وفهمه للعالم.
بعد ذلك، ترك ليسكوف العمل في المحكمة وانضم إلى شركة خاله سكوت وويلكنز في مجال الوساطة التجارية، وتحولت هذه الفترة إلى سنوات من الترحال والدراسة الحية لمختلف المقاطعات الروسية، حيث تعلّم تربية الخيول واطّلع على أنماط الحياة المختلفة ولغات ولهجات متنوعة، وتفاعل مع الحجاج والمؤمنين القدامى وأفراد الطوائف المختلفة، وهو ما كشف له روسيا بكل تنوع معتقداتها ومصائرها، وكانت هذه الخبرات أساسا لا يُقدّر بثمن لمسيرته الأدبية المستقبلية.
بعد أن أفلس خلال عمله في الشركة، اتجه ليسكوف إلى الصحافة، فكتب أولى مقالاته عن صناعة التقطير في بينزا عام 1859، ثم انتقل إلى سانت بطرسبرغ حيث كتب بوفرة في منشورات متنوعة، إلا أن مسيرته الصحفية لم تكن دائما سهلة، ففي عام 1862 كتب مقالا عن حرائق المدينة كرّر فيه شائعة أن الطلاب هم من أشعلوها، وانتقد السلطات على تقصيرها، مما أغضب الليبراليين والسلطات على حد سواء، وتفاقم الموقف مع روايته “لا مفر” التي سخر فيها من زملائه الكتاب، فواجه نبذ الجميع.

على الصعيد الأدبي، كان ليسكوف عاشقا للتحف القديمة، وخصوصا الساعات ذات الدقات، وكانت كتاباته أشبه بمخزن للنوادر والتحف، حيث تمتزج التفاصيل الصغيرة مع الحياة اليومية للشخصيات، وكانت أسلوبه السردي انعكاسا فنيا للغة العامية، مع راوٍ يتسم بالشخصية الفردية كما في قصة “ليفشا” التي تصور حرفياً مهووسًا، قديسا كئيبا، أو رحّالا منهكا.
في عام 1887 التقى بليو تولستوي، وتطورت هذه المعرفة إلى رابطة روحية قوية، فأصبح نباتيا ليس نزوة، بل اقتناعا راسخا، وكان أول من دعا علنا إلى نشر كتاب طبخ نباتي باللغة الروسية عام 1892، وابتكر أول شخصية نباتية في الأدب الروسي في قصة “الشخصية”.
رحل ليسكوف عام 1895، تاركا إرثا أدبيا غنيا يحكي عن القديسين والخطاة، الغرباء والشهداء، جميعهم يتحدثون لغة لم تكن موجودة من قبل، وقد كتب ابنه أندريه ليسكوف سيرة مفصلة عنه بعنوان “حياة نيقولاي ليسكوف”، بينما حفيدته الكبرى تاتيانا ليسكوفا، المولودة عام 1922، أصبحت أيقونة في عالم الباليه البرازيلي، وحصلت في سن التاسعة والتسعين على وسام الرئاسة البرازيلية تقديرًا لإسهاماتها في تطوير فن الرقص.
المصدر: Gateway to Russia