ألمانيا تعيد بناء جيشها الأقوى في أوروبا.. وتحول صناعاتها المدنية إلى إنتاج السلاح


وقالت إن هذا يأتي وسط طموح معلن لبناء “أقوى جيش تقليدي في أوروبا” وتحويل البلاد إلى محور رئيس في منظومة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي، في وقت تسارعت فيه هذه التحولات منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.

إقرأ المزيد

وأشار الملف إلى أن هذا التحول يشمل مصانع السيارات والقطارات وشبكات السكك الحديدية والمستشفيات والشركات اللوجستية، بالتزامن مع نقاش اجتماعي بشأن الخدمة العسكرية ومستقبل الشباب، في وقت تبحث فيه برلين عن موقع جديد داخل التوازنات الأوروبية والأطلسية، خصوصاً في ظل أزمة تضرب بعض ركائز النموذج الصناعي الذي جعل ألمانيا طوال عقود في صدارة الاقتصاد الأوروبي.

ووفقا للمعطيات الواردة في الملف، فإن الالتزامات الدفاعية الألمانية بلغت خلال 2025 نحو 114 مليار يورو، وهو مستوى وضع ألمانيا في المرتبة الرابعة عالميا من حيث النفقات العسكرية بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا، في وقت تطمح فيه برلين إلى جعل قواتها المسلحة ركيزة عسكرية رئيسية في أوروبا، بعدما ظلت مكانتها مرتبطة بالاقتصاد والتجارة أكثر من القوة العسكرية منذ توحيد البلاد عام 1990.

وتناول الملف التحولات الاقتصادية التي رافقت هذا التوجه، حيث يواجه الاقتصاد الألماني صعوبات متراكمة بسبب المنافسة الصينية وارتفاع تكلفة الطاقة وتراجع الطلب على بعض المنتجات التي صنعت التفوق الصناعي الألماني، حيث عرف الاقتصاد حالة من الركود وضعف النمو منذ 2022، بينما انخفضت الصادرات إلى الصين بأكثر من 14% خلال النصف الأول من 2025، وبلغ التراجع في صادرات السيارات 36%، وفي قطاع الآلات نحو 11%، مما دفع برلين إلى سياسة إنفاق واسعة شملت الدفاع والبنية التحتية.

وأبرز الملف كيف انعكست هذه السياسة على قطاع الصناعة، حيث بدأت شركات مدنية بالبحث عن فرص داخل السوق الدفاعية المتوسعة، فدخلت “مرسيدس بنز” في شراكة مع شركة ناشئة لتطوير طائرات مسيرة اعتراضية، بينما تحول مصنع مدينة غورليتس، الذي ظل ينتج عربات القطارات لمدة 176 عاماً، إلى صناعة أجزاء تستخدم في دبابات “ليوبارد 2” ومركبات المشاة المدرعة “بوما”، في مشهد يضع العمال أمام معادلة معقدة بين الاعتراض الأخلاقي على تصنيع معدات الحرب والحاجة إلى الحفاظ على الوظائف.

وكشف الملف أن مجموعة “راينميتال” برزت كأحد أكبر المستفيدين من هذا التحول، حيث ارتفع رقم معاملاتها من نحو 4.7 مليارات دولار عام 2014 إلى 9.93 مليارات في 2025، مع طموح للوصول إلى 50 ملياراً بحلول 2030، وارتفاع عدد مشاريع التسليح الكبيرة من 55 مشروعاً عام 2023 إلى 103 مشاريع عام 2025.

ولفت الملف إلى أن التحول الألماني لم يعد مقتصرا على المصانع والقواعد العسكرية، بل أصبحت مؤسسات مدنية عدة جزءاً من التخطيط الدفاعي، حيث تعامل الخطة العملياتية “Oplan DEU” البلاد كمركز لوجستي حاسم لتحرك قوات الناتو في حال اندلعت مواجهة عسكرية واسعة في شرق أوروبا، مما يستدعي الاستعانة بشبكات الطرق والسكك الحديدية والشركات الخاصة مثل “دويتشه بان” و”DHL” و”لوفتهانزا”، ويمتد الأمر إلى المستشفيات التي تستعد لاستقبال أعداد كبيرة من الجرحى العسكريين.

كما أعادت إعادة بناء الجيش قضية الخدمة العسكرية إلى النقاش العام، حيث أصبح الشباب في سن الثامنة عشرة ضمن نظام جديد لجمع المعلومات المتعلقة بالخدمة العسكرية اعتبارا من يناير 2026، مع خطوات إضافية متوقعة اعتباراً من 2027، وإبقاء خيار توسيع الإلزام مطروحاً إذا لم تكف أعداد المتطوعين، في سياسة أثارت اعتراضات شبابية ومدرسية.

وخلص الملف إلى أن التحول الألماني يعيد تعريف موقع البلاد، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بمقدار ما تنفقه برلين على الدبابات والطائرات والذخائر، بل بنموذج اقتصادي وأمني جديد يجعل الدفاع جزءاً متزايداً من الصناعة والبنية التحتية وسوق العمل، وسيظهر خلال السنوات المقبلة مدى قدرة هذا الخيار على الجمع بين إعادة إنعاش الصناعة، وبناء قوة عسكرية أوروبية وازنة، والحفاظ على قبول مجتمع تشكلت أجزاء واسعة من ثقافته السياسية بعد الحرب العالمية الثانية على قدر كبير من الحذر تجاه العسكرة.

المصدر: le monde diplomatique



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *