تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الأقلية لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم، في وقت تتزايد فيه ضغوط المستثمرين للسيطرة على العجز والدين العام، بينما تقترب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.
وتأتي المعركة المالية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعاني فرنسا بالفعل أحد أعلى مستويات العجز في منطقة اليورو، بينما قد تجعل الحسابات الانتخابية خفض الإنفاق والإصلاحات المالية أكثر صعوبة. ويزيد من المخاطر أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تضع السياسة المالية تحت ضغط أكبر، في ظل صعود مرشحين من أقصى اليمين واليسار، بينما تطرح القوى السياسية برامج قد تزيد الضغوط على المالية العامة.
وتستعد الحكومة لتحديد هدف عجز الموازنة لعام 2027 خلال الأسابيع المقبلة، على أن تقدم مشروع قانون الموازنة إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) بحلول 6 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة يُتوقع أن تطلق أسابيع من التجاذبات السياسية والقلق في أسواق السندات.
وكانت الحكومة قد تعهَّدت بإجراءات كبيرة لخفض الإنفاق عندما يصل مشروع الموازنة إلى النواب في أكتوبر، بينما طرح وزير المالية رولان ليسكوير تجميد جزء من إنفاق المعاشات التقاعدية العام المقبل بهدف تحقيق وفورات، لكن تفاصيل الخطة لا تزال محدودة.
وتواجه باريس في الوقت نفسه صعوبة في تحقيق هدف خفض العجز هذا العام إلى 5.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ5.1 في المائة العام الماضي، في ظل ضعف النمو والإنفاق الطارئ المرتبط بموجات الحر، بينما تزيد أزمة الطاقة الضغوط على المالية العامة.
الأسواق تراقب فرنسا من كثب
لم تعد معركة الموازنة شأناً سياسياً داخلياً فقط، إذ بدأ المستثمرون خلال الصيف إعادة تسعير الديون الفرنسية تحسباً لمزيد من التقلبات قبل الانتخابات. وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية، التي تحمل تصنيفاً ائتمانياً ممتازاً، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى نحو 88 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2024.
وقال كيفن توزيت، من شركة إدارة الأصول الفرنسية «كارميغناك»، إن الفارق قد يصل إلى 100 نقطة أساس، مع وجود مجال لمزيد من الاتساع بعد ذلك.
وساعدت الشكوك بشأن التزام السياسيين الفرنسيين بخفض العجز على دفع عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات تتجاوز نظيرتها الإيطالية، رغم ارتفاع عبء الدين في إيطاليا.
وتواجه فرنسا أيضاً استحقاقات ائتمانية مهمة، إذ تستعد وكالات التصنيف لتحديث تقييماتها للبلاد خلال الأسابيع المقبلة، بدءاً من «فيتش» يوم الجمعة، بعدما خفضت تصنيف فرنسا قبل عام إلى مستوى «إيه +»، وهو الأدنى في تاريخ التصنيف السيادي للبلاد لدى الوكالة.
ولا تقتصر الضغوط على خفض العجز الحالي، إذ ستحتاج الحكومة إلى الاقتراض بمبالغ أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة لإعادة تمويل مئات المليارات من اليوروهات من السندات التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.
وتزداد حساسية الأسواق الفرنسية أيضاً أمام التطورات العالمية، بعدما وصلت تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة واليابان أخيراً إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع أعباء الديون. وعادةً ما تنتقل التحركات الحادة في سندات الخزانة الأميركية إلى أسواق السندات الرئيسية الأخرى.

الانتخابات تزيد صعوبة خفض العجز
تتداخل معركة موازنة 2027 بصورة مباشرة مع الانتخابات الرئاسية المقررة في جولتين يومي 18 أبريل و2 مايو، مما يقلل هامش المناورة أمام الحكومة ويزيد احتمالات تأجيل القرارات المالية الصعبة.
وأظهر استطلاع أجرته «هاريس تولونا» أن خمسة سيناريوهات انتخابية من أصل أربعة، بحسب التقديرات الواردة في الاستطلاع، قد تقود إلى جولة إعادة بين زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بينما أظهر الاستطلاع تقدم لوبان أمام جميع منافسيها، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت متأخرة قائماً كما جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.
ويمثل كل من ميلانشون ولوبان تحولاً كبيراً في السياسة الاقتصادية. فقد دعا ميلانشون إلى إلغاء الدين الذي يحمله البنك المركزي، بينما تؤيد لوبان خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض الفئات.
وقال ديفيد زان، رئيس الدخل الثابت الأوروبي لدى «فرانكلين تمبلتون»، إن المشهد لا يزال شديد الضبابية، لكن المرشحين يميلون عموماً إلى سياسات مالية أكثر مرونة، بدلاً من تبني برامج تركز على إصلاح العجز وخفض الدين.
هل تعود المادة 49.3؟
ومن المتوقع أن تصبح المادة 49.3 من الدستور الفرنسي إحدى الأدوات الرئيسية في معركة الموازنة، وهي آلية تتيح لرئيس الوزراء تمرير مشروع قانون في الجمعية الوطنية من دون طرحه للتصويت، بعد أن يربط الحكومة بمسؤوليتها السياسية عن النص.
ومنذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت جمعية وطنية بلا أغلبية واضحة، اعتمدت حكومات الأقلية المتعاقبة على هذه المادة لتمرير قوانين الموازنة من دون تصويت برلماني.
لكن استخدام المادة يفتح الباب أمام المعارضة لتقديم مذكرة حجب ثقة، مما يجبر الحكومة على تقديم تنازلات، عادةً إلى الاشتراكيين أو الوسطيين أو المحافظين، لضمان بقائها.
وقد تكون مساحة التسوية أضيق هذه المرة، مع استعداد الأحزاب للانتخابات الرئاسية ومحاولتها ترسيخ مواقعها السياسية قبل بدء الحملة الانتخابية رسمياً.
وسبق أن أدَّت الموازنة إلى إسقاط رئيسي وزراء منذ انتخابات 2024، مما يعكس حجم المخاطر السياسية المحيطة بالملف المالي.

ماذا لو لم تمر الموازنة؟
إذا فشل البرلمان في إقرار موازنة 2027 بحلول نهاية العام ولم تلجأ الحكومة إلى المادة 49.3، يمكنها تمرير قانون طوارئ قصير الأجل يمدد العمل بموازنة 2026 إلى حين إقرار موازنة كاملة بعد الانتخابات.
لكن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة من الشلل المالي غير المسبوقة، وفق تحذير سابق لوزارة المالية الفرنسية، مع تجميد الاستثمارات والزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، في وقت تستمر فيه تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية في الارتفاع.
وقد يؤدي تمديد الموازنة إلى زيادة العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ما سيضعف ثقة المستثمرين ويدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع.
كما أن الانتخابات قد تؤدي إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، ما يعني أن إقرار موازنة كاملة لعام 2027 قد يتأخر إلى النصف الثاني من العام، بالتزامن مع بدء العمل على موازنة 2028.
الموازنة بمرسوم؟
وإذا تمكنت الحكومة من البقاء حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) من دون إقرار قانون للموازنة، فقد تحاول تمريرها بمرسوم، متجاوزةً البرلمان في أهم تشريع مالي سنوي. ولم يُستخدم هذا الخيار مطلقاً في ظل الجمهورية الخامسة، بينما يرى خبراء قانونيون أنه سيكون خياراً بالغ الخطورة وقد يؤدي إلى تصويت جديد بحجب الثقة عن الحكومة.
وعلى خلاف المسار المنصوص عليه في المادة 49.3، فإن سقوط الحكومة بعد إقرار موازنة بمرسوم لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الموازنة.
لكن قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات ستكون محدودة، ما قد يترك حكومة لوكورنو لتصريف الأعمال. وفي هذه الحالة، قد تصبح موازنة المرسوم حلاً مؤقتاً إلى حين تشكيل حكومة جديدة تتمكن في أواخر 2027 من الحصول على دعم برلماني لخطتها المالية.
الدين يفرض حساباته
حتى في حال نجاح الحكومة الحالية في خفض العجز، ستظل فرنسا أمام تحدٍ طويل الأجل يتمثل في إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون التي أُصدرت خلال سنوات الفائدة شديدة الانخفاض.
ويرى مستثمرون أن قدرة الرئيس الحالي أو المقبل على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لخفض العجز لا تزال موضع شك، بينما تزيد الانتخابات من صعوبة اتخاذ إجراءات قد تكون مكلفة سياسياً.
وبذلك، تتحول موازنة 2027 إلى اختبار مزدوج لفرنسا: اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج توافق مالي في ظل برلمان منقسم، واختبار لثقة الأسواق في قدرة باريس على السيطرة على العجز والدين قبل أن تصبح تكاليف الاقتراض عبئاً أكبر على المالية العامة.