إرث العرب في رصد الكون بــ”عين ثالثة”


في الخامس والعشرين من أغسطس من ذلك العام، قدّم غاليليو أمام المجلس الكبير ودوق البندقية جهازا بصريا جديدا، كان يتألف من عدستين بسيطتين، ويُكبّر الأجسام ثلاث مرات فقط. غير أن ما يثير الدهشة حقا هو أن غاليليو لم يسبق له أن رأى تلسكوبا مكتملا، بل اعتمد على فهمه العميق لقوانين البصريات ليصنع أداته الخاصة، محسنا التصميم الأولي بشكل ملحوظ، ومضيفا إليه دقة لم تكن متوفرة في النماذج السابقة. أدرك الفلكي الإيطالي منذ البداية القيمة التطبيقية لاختراعه، فأكد إمكانية استخدامه لرصد السفن المقبلة نحو الميناء قبل ساعتين من وصولها، ما أثار إعجاب الجمهور وأصحاب النفوذ على حد سواء.

هذا الإنجاز لم يولد من فراغ، فقد كانت البذور الأولى لفكرة التكبير البصري قد ظهرت قبل ذلك بزمن طويل.في مذكرات ليوناردو دافنشي، وتحديدا في عام 1509، نجد رسومات لعدسة بسيطة إلى جانب عبارة: «اصنعوا نظارات لرؤية القمر المكتمل»، ما يدل على أن مفهوم مراقبة الأجرام البعيدة كان حاضرا في الذهن الإنساني، وإن ظل حبيس النظريات ولم يُترجم إلى جهاز عملي.

كما شهدت أوروبا في ورش عمل متفرقة محاولات متكررة، سواء عن قصد أو بالمصادفة، لوضع عدستين متتاليتين، وما رافق ذلك من ملاحظات لتأثير التكبير. وتُروى حكايات عن أطفال صانعي النظارات الذين اكتشفوا، أثناء لهوهم بعدسات آبائهم، أن تباعدا معينا بين العدسة المحدبة والمقعرة يكفي لتكبير الأجسام البعيدة، مما مهّد الطريق لتجارب لاحقة أكثر تنظيما.

وفي مطلع القرن السابع عشر، وتحديدا عام 1608، تقدّم يوهانس ليبرشي من مدينة ميدلبورغ الهولندية بجهاز قادر على تكبير الأجسام البعيدة، وطلب براءة اختراع له، لكن طلبه قُوبل بالرفض نظرا لوجود أجهزة مماثلة سبق أن صنعها زكرياس يانسن ويعقوب ميتيوس.

صُمّمت تلك المناظير الهولندية المبكرة لتكون أدوات عملية موجهة للجنود والبحارة، تساعدهم في رصد السفن والتحصينات من مسافات بعيدة، قبل أن تتحول إلى أدوات فلكية. وقبل ذلك بقرون، كانت إيطاليا قد رسخت منذ القرن الثالث عشر تقليدا عريقا في صناعة عدسات النظارات، بدءا بالعدسات المحدبة لمعالجة طول النظر، ثم المقعرة لقصر النظر، ما ساهم في إتقان تقنيات طحن الزجاج وتلميعه، وهي مهارات جوهرية لصنع تلسكوبات دقيقة. وبسبب رداءة عدسات النظارات الجاهزة آنذاك، اضطر غاليليو إلى صنع عدسات أجهزته بنفسه، مستفيدا من هذه الخبرة المتراكمة.

لا يمكن إغفال الإرث العلمي للحضارة العربية الإسلامية في هذا السياق، إذ أسهمت إنجازات علمائها في البصريات والفلك وصناعة الأدوات في وضع الأسس النظرية والعملية التي جعلت التلسكوب ممكنا. كان من أبرز هؤلاء العالم ابن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي، الذي وضع مؤلفاته الرائدة في تحليل الضوء والرؤية، وبيّن خصائص العدسات والمرايا، ما شكل مرجعا مهما لمن جاء بعده، بما في ذلك غاليليو نفسه.

عاد غاليليو إلى تطوير تلسكوبه في يناير 1610، فتمكن من رفع قوة التكبير إلى ثلاثة وثلاثين ضعفا، وهو ما فتح أمامه آفاقا كونية لم يسبق لها مثيل. بهذا الجهاز المطوّر، اكتشف أربعة أقمار تدور حول المشتري، عُرفت لاحقا بالأقمار الغاليلية، ورصد فوهات وجبالا على سطح القمر، مما دحض الاعتقاد السائد بسطحه الأملس. كما كشفت له مراقباته أطوار كوكب الزهرة، وشاهد البقع الشمسية، وأدرك أن درب التبانة ليست سحابة ضوئية، بل حشد هائل من النجوم المنفردة. كل هذه النتائج أحدثت ثورة في فهم الإنسان للكون، وأكدت أن التلسكوب لم يعد مجرد أداة عسكرية أو بحرية، بل نافذة على عوالم جديدة، جعلت غاليليو رمزا للعلم التجريبي، ورسخت مكانة هذا الجهاز كأحد أهم المخترعات في تاريخ البشرية.

المصدر: RT



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *