الرباط- “القدس العربي”:
مرة أخرى، استطاع “تجار المناسبات” من وسطاء وغيرهم، تنغيص فرحة عيد الفطر على المغاربة، الذين استفاقوا بعد انقضاء شهر رمضان على ارتفاع جديد في أسعار عدد من المواد الاستهلاكية، التي كانت أساسا مرتفعة طيلة شهر الصيام.
لكن، بمجرد حلول العيد، وفي ذروة الاستهلاك، سجلت الأسواق المحلية قفزات في الأسعار وصفت بأنها “غير مسبوقة”، ما زاد من حجم الفجوة في ميزانيات الأسر. ففي الوقت الذي كان فيه المواطن ينتظر انفراجة تخفف عنه أعباء مصاريف العيد، وجد نفسه أمام جدار سميك من الغلاء، جعل من بعض المواد الغذائية، من بينها اللحوم الحمراء والبيضاء، عبئا ماليا ثقيلا يتجاوز طاقة ذوي الدخل المحدود.
وتكفي جولة خفيفة في الأسواق المغربية، للتأكد من أن الأسعار تجاوزت “الخطوط الحمراء”، فقد لمس المواطنون في مدن مثل الدار البيضاء والرباط وسلا والقنيطرة ذلك في أسعار لحم “الغنمي” (الغنم)، التي استقرت في مستويات تتراوح بين 110 و135 درهما (11 و13.5 دولارا) للكيلوغرام الواحد، فيما ظلت أسعار لحم “البكري” (البقر) صامدة في حدود 85 إلى 100 درهم (نحو 8 إلى 10 دولارات). أما الدواجن، فقد رافقت اللحوم الحمراء في تحليقها، وبلغ سعر الكيلوغرام من الدجاج ما بين 17 و20 درهما (حوالي 1.83 و2 دولار).
أما “النجم” الجديد غير المتوقع، الذي عاد إلى واجهة المشهد وحاول التمنع على موائد المغاربة، فهو البصل، الذي تحول من منتج مسلم به إلى نوع من الترف أقرب إلى الفاكهة. وخلال شهر رمضان، بلغ مستويات قياسية وصلت إلى حدود 15 درهما (1.61 دولار)، كما تحول إلى مادة ساخرة في صفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما أصرت بعض الحسابات غير المغربية على توظيفه في حملات تشويش وتزييف للحقائق. غير أن المغاربة على يقين من أن جزءا كبيرا من الأزمة لا يرتبط فقط بقلة العرض، بل بتدخل “الشناقة” (الوسطاء) وعمليات التخزين التي تؤثر على الأسعار.
وفي تحليله لهذا الغلاء، أكد الحسين اليماني، عضو المجلس الوطني لنقابة “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، في تصريح لـ “القدس العربي”، أن الوضع الراهن في المغرب، ولا سيما في مرحلة ما بعد جائحة “كوفيد-19″، كشف عن تصدعات عميقة في اقتصادات الدول، زادت من حدتها التداعيات الجيوسياسية للحرب الروسية الأوكرانية. وأضاف أن تزامن هذه الأزمات مع موجات الجفاف المتتالية وسياسة تحرير الأسواق ألحق ضررا مباشرا وبالغا بالقدرة الشرائية للمواطنين.
وشدد المتحدث على أن المبادرات التي اتخذتها الحكومة الحالية، سواء ما تعلق بمنظومة الدعم الاجتماعي، أو الزيادات الأخيرة في الأجور، أو الدعم الاستثنائي المخصص لمهنيي قطاع النقل، تظل غير كافية، إذ لم تنجح في كبح جماح الارتفاع المطرد في أسعار السلع والخدمات، خصوصا في القطاع الفلاحي الذي يمثل العصب الأساسي للأمن الغذائي اليومي للمغاربة.
ويرى اليماني أن العقد الأخير، خاصة السنوات الخمس الماضية، شهد استنزافا حادا وغير مسبوق للقدرة الشرائية، ما يضع السياسات الحكومية، ولا سيما “تحرير الأسعار”، موضع تساؤل حقيقي، في ظل توجه الاقتصاد نحو مزيد من التركز وهيمنة مجموعات المصالح و”اللوبيات” الكبرى على القطاعات الحيوية.
وفي ختام تصريحه، دعا اليماني إلى ضرورة استمرار الدولة في ممارسة دورها التدخلي، بوصفها جهة منتجة ومؤطرة للاقتصاد المحلي، محذرا من أن الرهان على الانفتاح المطلق للأسواق لا يتناسب مع مستويات الأجور الحالية ولا مع برامج الدعم، ما قد يعمق القلق الاجتماعي ويهدد الاستقرار.
وأمام هذه القفزات المتواصلة للأسعار، يسجل المغاربة مفارقة لافتة تتمثل في التساقطات المطرية الكثيفة التي شهدها المغرب خلال هذا الشتاء. فوفق المخيال الشعبي، ترتبط هذه التساقطات، التي وصفت بـ “الاستثنائية” وأنعشت مخزون السدود، بالرخاء، لكنها لم تنعكس على الواقع المعيشي.
ويرى محللون أن هذه التساقطات، رغم أهميتها للأمن المائي، لم تترجم بعد إلى انخفاض في الأسعار لأسباب بنيوية، إذ تحتاج الدورة الزراعية والحيوانية إلى وقت لامتصاص أثر الأمطار. كما أن الأعلاف المستهلكة حاليا تم اقتناؤها بأسعار مرتفعة قبل هطولها، فضلا عن أن إعادة تكوين القطيع المحلي عملية طويلة الأمد.
وتبقى “الحلقة المفقودة” في نظر كثيرين هي المضاربين والوسطاء، أو ما يعرف محليا بـ “الشناقة”، إذ تمر السلع عبر سلسلة من السماسرة في أسواق الجملة، ما يرفع السعر النهائي أحيانا بنسبة تتجاوز 45 في المئة قبل وصوله إلى المستهلك.
وعلى الصعيد الرسمي، تشير تقارير “المندوبية السامية للتخطيط” (مؤسسة رسمية للمسوح والإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية) إلى “تباطؤ في وتيرة التضخم”، غير أن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الواقع المعيشي، إذ سجلت المواد الغذائية زيادة شهرية بنسبة 0.5 في المئة خلال شباط/ فبراير وآذار/ مارس، ما يؤكد استمرار الضغط.
ويرى محللون أن هذا التباطؤ تقني بالأساس، ناتج عن مقارنة الأسعار الحالية بمستويات مرتفعة جدا في العام الماضي، وليس انخفاضا حقيقيا، وهو ما يعرف بـ “الاستقرار في القمة”، الذي يرهق جيوب المغاربة.
ومع اقتراب عيد الأضحى، يترقب المغاربة مناسبة أخرى تثقلهم بالتكاليف، بعدما تحولت، خلال السنوات الأخيرة، من فرحة جماعية إلى عبء اقتصادي، في ظل تراجع أعداد الماشية وارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، بدأت الحكومة توجيه لجان محلية لمراقبة قطيع إناث التوالد، مع صرف الشطر الثاني من الدعم للمربين، في خطوة تهدف إلى استقرار العرض مستقبلا، إلى جانب تواصل صرف الدعم الاجتماعي المباشر الذي تقرر أن يشمل فئات جديدة، من بينها الأيتام.