“الحياة في الخيام ليست بحياة”…رحلة سكان غزة الشاقة في البحث عن بيت يأويهم وغذاء يطعمهم


بعد وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر، تشعر هبة أنها نجت من “كابوس مروع” في قطاع غزة. وتقول هذه المرأة البالغة من العمر 48 عاما إنها تحاول العودة إلى نسق الحياة العادية مع عائلتها وسط أكوام الأنقاض التي خلفتها الحرب.

إلا أن قلق هبة مستمر وتقول: “لا نشعر أننا في أمان، اليوم نحصل على الغذاء لكن لا شيء مضمون غدا، يمكن أن تعود الحرب في أية لحظة”.

رغم الهدنة، فإن المساعدات الإنسانية التي تصل إلى القطاع شحيحة ولم تتوقف الغارات الإسرائيلية حيث قتل 520 فلسطينيا منذ وقف إطلاق النار وفق آخر إحصائية لوزارة الصحة في غزة  في 4 شباط/ فبراير.

بعد ثلاثة أشهر من وقف الغارات الإسرائيلية المكثفة، التي أودت بحياة 71 ألف من الغزيين في حصيلة أقرت إسرائيل بصحتها، لم يتغير شيء في القطاع. إذ يتكدس نحو مليوني شخص في مناطق ضيقة في وسط وجنوب القطاع في أراضي لا تمثل سوى 40 بالمئة من مساحة الجيب الفلسطيني الصغير أصلا، مع تواصل وجود المناطق العازلة التي فرضتها إسرائيل.

تحت أزيز “الزنانة” (الطائرات المسيرة الإسرائيلية)، اتصلنا صباحا بمهند، 26 عاما متزوج يعيش مع والديه وإخوته في نفس الخيمة في جباليا شمالي القطاع، على بعد 1.5 كلم من الخط الأصفر حيث تتواجد القوات الإسرائيلية و400 متر من بيتهم القديم المدمر. سرعان ما انقطع التواصل معه بعد نفاد بطارية هاتفه، وتطلب الأمر ثلاث ساعات حتى نتمكن من الاتصال به مجددا.

“انتظار وراء انتظار للحصول على الماء والغذاء”

يقول مهند إن العائلة فقدت كل شيء وتعيش على المساعدات الغذائية في نقاط التوزيع، ويضيف: “نقضي يومنا انتظارا وراء انتظار في الطوابير، انتظار للحصول على الغذاء، انتظار للحصول على تذاكر الطعام، انتظار للحصول على الماء”.

ويحتاج أكثر من مليون شخص لمساعدات عاجلة وفق الأمم المتحدة يعيش معظمهم تحت الخيام التي وفرتها وكالات أممية.

اقرأ أيضاغزة: “نصف السكان يعيشون في خيام مهترئة”

ينطبق الأمر على سلمى وعائلتها التي هربت في نيسان/ أبريل 2024 من منزلها المتواجد على الخط الأصفر الإسرائيلي الذي يفصل بين المناطق “المأهولة” بالغزيين والأخرى التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. لجأت عائلة سلمى إلى مخيم مكتظ في حي الزوايدة في وسط القطاع.

“يوجد الكثير من العائلات هنا، ومن لا يجد له مكانا يستقر على الشاطئ” تقول سلمى. “ينقصنا كل شيء من غذاء وماء ودواء وكل يوم يمر علينا هو امتحان”. وما يربط سلمى بالعالم هو فقط هاتفها الذي تشحنه في مقهى مجاور.

أطفال في مخيم الزوايدة في وسط قطاع غزة. © سلمى/ فرانس24

 

“الحياة في الخيام ليست بحياة”

للهرب من برد الشتاء القارس والرياح والأمطار الغزيرة التي تسببت في فيضانات بالقطاع، لجأ بعض الغزيين إلى المباني المدمرة التي حدثت فيها بعض المآسي. في ديسمبر/ كانون الأول ويناير/ كانون الثاني، قضى 25 فلسطينيا بعد انهيار مبان وفق وزارة الصحة.

صبحي قرر المخاطرة والعيش في أحد هذه المباني المتداعية يقول: “الحياة في الخيام ليست بحياة. نعيش وسط التلوث والأنقاض. الأطفال لا يذهبون إلى المدارس. لا توجد كلمات تصف هذا الواقع”.

La maison de Sobhi, détruite par des frappes israéliennes
بيت صبحي الذي دمرته الغارات الإسرائلية. © صبحي/ فرانس24

 

اقرأ أيضا“دفن فكرة قيام دولة فلسطينية”… إسرائيل توافق على حزمة إجراءات لتعميق سيطرتها على الضفة الغربية

بعد الهدنة، غادر هذا الرجل الثلاثيني مع عائلته وعاد إلى بيته في حي الشيخ رضوان شمالا، وهو من المناطق الأكثر دمارا جراء الضربات الإسرائيلية. “كاد جارنا أن يموت قبل أسبوعين بسبب انهيار منزله. البيت كان بحاجة لتدعيم حديدي. وحاول إيصال صوته لكن لم يتلق أية مساعدة. نعيش في نفس الظروف. لا يوجد شيء هنا. يجب علينا إيجاد الماء كل يوم حتى لا نموت عطشا”.

أما مهند فحتى الحصول على خيمة تقي من الرياح وبرد الشتاء تحول إلى حلم. “ثمن الخيمة يتراوح ما بين 700 إلى 900 دولار و90 بالمئة من العائلات التي تعيش بجانبنا تبيت تحت خيام بلاستيكية بدائية الصنع”. ويضيف: “أقف اليوم أمام ركام بيتي، فلا أرى حجارة فقط بل عمرا كاملا تناثر أمام أعيني، مات ثلاثة من إخوتي في القصف الذي دمر بيتنا وتركوا وراءهم أطفالا صغارا “.

 

في مدينة غزة، دمرت الغارات الإسرائيلية ثلثي المباني، “مقابل 1500 شيكل في الشهر (480 يورو) يبقى من الممكن تأجير شقق مازالت تصلح نسبيا للعيش أو العثور على مبنى مدمر جزئيا بدون نوافذ بعض الأحيان ولا ماء ولا كهرباء. تقول هبة. “أما بالنسبة للشقق غير المتضررة، يجب دفع ثلاثة أضعاف الثمن”.

مشكلة في السيولة وعمولات مقابل التحويلات الخارجية

بعد وقف إطلاق النار فتحت بعض المحال التجارية أبوابها إضافة إلى بعض الأسواق التي تعرض بضائع بأسعار باهظة بعد مرورها من معبري كرم أبو سالم أو إيريز حيث الرقابة الإسرائيلية شديدة.

 أما معبر رفح، الذي فتح جزئيا في 2 شباط/ فبراير، فلا يسمح إلا بحركة الأفراد هناك إلى حد الآن.

انخفضت أسعار المواد الغذائية بعد وقف إطلاق النار، علبة البيض تكلف اليوم 25 شيكل (6.8 يورو) أي أقل بستة مرات في زمن الحرب. كما انخفض ثمن كلغ من الأرز إلى 10 شيكل (2.75 يورو) أقل عشر مرات سابقا.

إلا أن هذه الأسعار تبقى فوق قدرة الغزيين الذين لا يملكون مداخيل ويعيشون فقط على مساعدات المنظمات الإنسانية.

الغالبية العظمى من مناطق الرعي والزراعة دمرت على يد الجيش الإسرائيلي والحال نفسه ينطبق على أكثر من نصف الآبار. كل ذلك وسط أزمة نقدية حادة في ظل نقص الأوراق المالية في القطاع.

هنا يعود مهند ليقول: “حتى إن تمكنا من الحصول على تبرعات مباشرة من خارج القطاع، فيجب إرسالها إلى شخص ما في تركيا وهو يحولها إلى شخص ما في غزة قبل أن تصل إلى الشخص المعني. وتخصم من الحوالة 20 بالمئة من قيمتها مقابل الخدمة”.

“ذكريات دمرتها القنابل”

“فتحت بعض البنوك أبوابها لكن لأنشطة إدارية فقط وأجهزة الصراف الآلي لا تعمل” تقول هبة التي استأنفت عملها في منظمة “أطباء العالم” الفرنسية. “المال الوحيد المتداول يعود لفترة ما قبل الحرب. لا يملك الجميع حسابا بنكيا. بعض الناس فقدوا كل مدخراتهم في الضربات ولم يعد لديهم شيء اليوم.

وتعمل هبة في مصحة تابعة للمنظمة، وتقول إنها تستقبل عددا كبيرا من المرضى المصابين بأمراض تنفسية وجلدية وفي الأمعاء في ظل الأوضاع الصحية الكارثية وتكدس الناس.

في مخيم الزوايدة، تواجه سلمى وعائلتها مستقبلا سوداويا، وتقول: “الحياة مستحيلة هنا، كل ذكرياتنا دمرتها القنابل. كل ما نملكه هو الأمل في الحصول على حياة كريمة يوما ما”.

أما مهند فيقول: “مع غروب الشمس ننام على أمل أن يكون غدنا أقل قسوة، لأن كل يوم يكون أشد وأقسى من اليوم الذي سبقه”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *